محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
287
شرح حكمة الاشراق
كان سياق الكلام يدلّ على أنّه يريد به المجرّد ، لأنّه بعد هذا يشرع في الأنوار العارضة . وإنّما يتميّز المجرّد عن العارض ، بعد اشتراكهما فيما ذكره أنّ المجرّد نور لنفسه ، أي قائم لذاته ، والعارض نور لغيره ، أي قائم به ، عندك « ضابط » ، فليكن أنّ النّور هو الظّاهر في حقيقة نفسه المظهر لغيره ، أي : من الموجودات الجسمانيّة والرّوحانيّة بذاته . وهو أظهر في نفسه من كلّ ما يكون الظّهور زائدا على حقيقته . ولهذا لا يمكن أن يكتسب بحدّ ورسم ، ولا أن يعلم بحجّة وبرهان ، لاستحالة أن يدرك الظّاهر بما هو أقلّ ظهورا منه ، لوجوب كون المعرّف أجلى من المعرّف . وإنّما يمكن أن يدرك بما هو أشدّ ظهورا منه ، أعنى أنّه يدرك بإشراق نور العقل عليه إن كان قائما بنفسه ، خافيا علينا ، كنفوسنا . فيكون هذا الإشراق بالنّسبة إلى نفوسنا كإشراق الشّمس بالنّسبة إلى أبصارنا . فكما أنّ أبصارنا لا تبصر إلّا بإشراق نور الشّمس [ عليها ] ، فكذا نفوسنا لا تدرك ذواتها ولا غيرها أيضا من المجرّدات إلّا بإشراق نور العقل عليها . هذا كلّه سوى ضابطة النّور في الأنوار القائمة بذواتها . وأمّا الأنوار العارضة القائمة بالجواهر ، فهي وإن كانت أنوارا لغيرها ، من المحالّ الّتى هي فيها ، فليس ظهورها أيضا زائدا عليها ، بحيث تكون في نفسها خفيّة بل هي نفس الظّهور المفتقر إلى محلّ . وإليه أشار بقوله : والأنوار العارضيّة أيضا ليس ظهورها لأمر زائد عليها ، فتكون في أنفسها خفيّة ، بل ظهورها إنّما هو لحقيقة نفسها . وليس أنّ النّور يحصل ، ثمّ يلزمه الظّهور ، فيكون ، النّور ، في حدّ نفسه ليس بنور ، فيظهره شئ آخر ؛ من الأنوار ، وهو محال . بل هو ظاهر ، وظهوره نوريّته . وليس كما يتوهّم ، فيقال : نور الشّمس يظهره أبصارنا ، بل ظهوره هو نوريّته . ولو عدم النّاس كلّهم وجميع ذوات الحسّ ، الباصر من الحيوان ، لم تبطل نوريّته . ولمّا كان المذكور في هذا الفصل من المباحث الحكميّة المهمّة ، إذ به تحصل للإنسان بصيرة بمعرفة نفسه ، مع أن معرفتها أمّ الحكمة وأصل الفضائل ، وعليها