محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
266
شرح حكمة الاشراق
وإذ تبيّن أنّ الصّورة ليست في المرآة ، ولا في جسم من الأجسام ، ونسبة الجليديّة إلى المبصرات كنسبة المرآة ، إلى الصّورة الظّاهرة . لأنّ الجليديّة أيضا مرآة للنّفس ، بها تدرك صور الأشياء وأشباحها الحادثة عند مقابلتها للجليديّة ، فحال الصّورة الّتى فرض هؤلاء النّاس فيها ، في الجليديّة ، كحال صورة المرآة . فكما أنّ صورة المرآة ليست فيها ، كذلك الصّور الّتى تدرك النّفس الأشياء بواسطتها ليست في الجليديّة ، بل تحدث عند المقابلة ، كما ذكرنا . وحينئذ يقع من النّفس إشراق حضورىّ على ذلك الشّىء المستنير إن كان له هويّة في الخارج فتراه ، وإن كان شبحا محضا كصور المرايا فيحتاج إلى مظهر آخر كالمرآة . فإذا وقعت الجليديّة في مقابلة المرآة الّتى ظهر فيها صور الأشياء المقابلة ، وقع من النّفس أيضا إشراق حضورىّ ، فرأت تلك الأشياء بواسطة مرآة الجليديّة والمرآة الخارجة . ولكن عند وجود الشّرائط وارتفاع الموانع . هذا في عالم الحسّ وفي اليقظة . وأمّا في النّوم أو فيما بين النّوم واليقظة ، فله حكم آخر غير الّذى في عالم الحسّ ، على ما ستطّلع عليه في قسم الأنوار وبعد أن أشار إلى أنّ صور الأشياء وأشباحها ليست في الجليديّة ، أراد أن يذكر مثالا يدلّ على استبعاد انطباعها فيها ، فقال : ثمّ إنّ البصر إذا أحسسنا به أجساما على سمت واحد منها ، بينها مسافات طويلة ، وهي عظيمة المقدار ، مثل شوامخ جبال ، بعضها وراء بعض ، فلا بدّ من ارتسام صورها عند هؤلاء ، وصور المسافات الّتى بينها على سمت واحد ، في الجليديّة ، فكيف تفي به الجليديّة وأقطارها . فسرّ الرّؤية البصريّة وصور المرايا والتّخيّل ، وصور التّخيّل ، يأتي من بعد . وغرضنا من ذكر هذه المسائل هيهنا تسهيل فيما نحن بصدده ، بصدد ذكره ، وبيانه في قسم الأنوار .