محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
255
شرح حكمة الاشراق
فإن قيل : بقيت ، في البيت بعد سدّ الكوّة ، أجسام صغار مظلمة ، فزال ضوءها ، فسلّم ، القائل بهذا الجواب : أنّ جسميّتها غير ضوئها ، ويلزم منه كونه كيفيّة تحدث من المضئ في القابل المقابل بلا حائل ، ومنه ، أنّ الشّعاع نفسه ليس بجسم . وأيضا لو كان جسما ، لكان انعكاسه من الصّلب ، كالجبال ، أولى ممّا كان من الرّطب ، كالمياه ، لأنّ انعكاس الكرة المضروبة في حائط إلى خلف أشدّ ممّا يكون من الماء . والوجود بخلافه ، لأنّ انعكاس الشّعاع من المياه أشدّ ممّا من الجبال . ولنقص جرم الشّمس إذا فارقها ، الجسم الشّعاعىّ يسيرا يسيرا إلى أن يفنى ويضمحلّ في الأدوار الغير المتناهية ، لتناهى جرمها ، وما حصل ، الشّعاع ، إلّا على زوايا قائمة ، وفي جهة واحدة ، لأنّ حركة الأجسام الهابطة إنّما تكون إلى جهة المركز . ( 129 ) على سمت مستقيم يقوم عمودا على السّطح الّذى يماسّ كرة الأرض على مسقط ذلك العمود على ما عرف بالتّجربة ، لكونه أقرب الطّرق إلى المركز ، لا على ما يرى على جهات مختلفة ، وعلى خطوط غير قائمة ، فإنّ جسما واحدا بطبعه لا يتحرّك إلى جهات مختلفة ، مع أنّ ضوء المصباح يتحركّ إليها ، ويضئ أرض البيت وجدرانه وسقفه . ولتراكم أضواء سرج كثيرة حتّى صار علظا ذا عمق ، وكلّما ازداد أعداد المضئ ازداد عمقه . وليس كذا ؛ إذ لو ازداد عمقه لكان أمنع لما وراءه عن الرّؤية ، لأنّ الضّوء مبصر ؛ وكلّ جسم يصحّ أن يبصر ، فهو يمنع من إبصار ما وراءه ، للزوم كونه كثيفا ، لامتناع رؤية الشّفيف . لكنّ النّور كلّما كان أقوى ، كان ما وراء أظهر للبصر . وإذا بطل جسميّة الشّعاع ، فليس ممّا ينتقل من الشّمس أو من محلّ ، آخر ، كغيرها من المنيرات ، إلى محلّ ، كالمستنيرات ، بل هو هيئة ، أي : عرض ، يحصل في الأجرام عند مقابلة النّيّر بتوسّط جرم شفّاف ، كالهواء والماء ، وغيره من الشّرائط . والمفيض لهذه الهيئة المبصرة ، أعنى الشّعاع ، وكذا غيره من المدركات الحسيّة من المسموعة والمذوقة والمشمومة والملموسة ، وكذا الصّور المتخيّلة . هو العقل المفارق ، فإنّ جميعها إنّما تحصل في قوانا من واهب الصّور .