محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

247

شرح حكمة الاشراق

البعض - ذهبتم إلى ما يلزمكم الاعتراف به . وذلك لأنّكم ، حكمتم بأنّ الوجود يقع بمعنى واحد على واجب الوجود وغيره ، وفي واجب الوجود نفسه ، وفي غيره عارض له زائد على الماهيّة . فيقول لكم القائل : استغناء الوجود عن ماهيّة ينصاف إليها إن كان لنفس الوجود ، فليكن الجميع كذا . وإن كان لأمر زائد ، على الوجود ، في واجب الوجود ، فهو يخالف قواعدكم ، إذ ليس ثمّة إلّا الوجوب البحت . ويلزم منه تكثّر الجهات في واجب الوجود ، لتركّبه من الوجود والأمر الزّائد عليه المقتضى لاستغناء ذلك الوجود عن ماهيّة ينضاف إليها . وقد بيّن أنّه محال . وليس ، استغناء وجود ( 125 ) الواجب عن ماهيّة يقوم بها ، لكونه ، لكون ذلك الوجود ، غير معلول ، فإنّ عدم احتياجه إلى علّته ، أي : استغنائه عن ماهيّة يقوم بها ، إنّما كان لكونه واجبا غير ممكن ، والوجوب لا يجوز أن يفسّر بسلب العلّة ، أي : بالاستغناء عنها ، حتّى يعود معنى كونه واجبا إلى كونه غير معلول ، فيصحّ تعليل استغنائه بكونه غير معلول . وإنّما لا يجوز ، لأنّ الوجوب علّة الاستغناء ، على ما قال : فإنّه إنّما استغنى عن العلّة لوجوبه . والعلّة لا تفسّر بالمعلول . ثمّ ، بعد بيان أنّ الاستغناء ليس لنفس الوجود ولا لزائد ولا لكونه غير معلول ، لو ذهبتم إلى أنّه لوجوبه ، قلنا : وجوبه إن زاد على وجوده ، فقد تكثّر ، وجوده ، والتّكثّر ممتنع في حقّه تعالى ، وعاد الكلام إلى [ أنّ ] وجوبه الزّائد على الوجود الّذى هو صفة للموجود إن كان تابعا للموجود من حيث هو موجود ولازما به ، فليكن كذا في جميع الموجودات ، وإلّا يكون ، وجوبه ، لعلّة ؛ وهو محال في الواجب لذاته ، وإن كان لنفس الوجود ، فالإشكال متوجّه . فيقال : إنّ استغناءه إن كان لعين الوجود ، ففي الجميع ينبغي أن يكون كذا . فإن قال : إنّ وجوبه كماليّة وجوده وتماميّته وتأكّده . وكما أنّ كون هذا الشّىء أشدّ أسوديّة من غيره ليس بأمر زائد على الأسوديّة ، بل لكمال في نفس السّواد غير زائد عليه ، فكذا الوجود الواجب يمتاز عن الوجود الممكن ، لتأكّده وتماميّته .