محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
237
شرح حكمة الاشراق
شأنه أن يملأه الجسم ، يخرج الجسم الطّبيعىّ ، لأنّ الجسم الطّبيعىّ ، لا يملأه جسم آخر ، لأنّ نفسه ملأ ، فلا يملأه شئ آخر . وعلى المذهبين ، هل وراء العالم خلأ لا يتناهى حتّى يلزم وراء العالم بعد غير متناه ، أم لا خلأ إلّا القدر الّذى فيه العالم ، وليس وراءه لا خلأ ولا ملأ . وعلى التّقدير الأخير : هل يجوز خلوّ شئ من هذا القدر عن الجسم حتّى يوجد في العالم جسمان لا يتماسّان ولا يوجد فيما بينهما جسم يماسّهما . وهذا النّوع من الخلأ هو المسمّى بالبعد المفطور ، والقائلون له أصحاب الخلأ ؛ أو لا يجوز ، حتّى لا يكون في العالم جسمان لا يتماسّان ولا يكون بينهما ما يماسّهما ؟ فذهب إلى كلّ طائفة . والفرق - بين مذهب من يقول : إنّه امتداد لا يخلو عن الجسم المستلزم لتداخل البعدين ، ومذهب الذّاهبين إلى أن لا خلأ - أنّ أصحاب هذا الرّأى يرون أن بين طرفي الطّاس ، مثلا ، بعدا يداخله بعد الماء ، وأنّه بحيث لو خرج الماء منه ولم يدخل في ذلك الإناء جسم آخر ، إمّا هواء أو غيره ، لبقى البعد بين جوانب الإناء فارغا ، لكن خروج الجسم عنه من غير أن يخلفه جسم آخر هو عند هؤلاء محال . وأمّا من لا يرى أنّ للخلأ وجودا ولا تحقّقا ، فإنّه لا يقول : إنّ بين طرفي الإناء بعدا ( 120 ) مغايرا لبعد الجسم الّذى في ذلك الإناء . وهذا هو الفرق . ولا نزاع للحكيم مع القائل بأنّه لا شئ ، ووراء العالم خلأ لا يتناهى . لأنّ معنى كلامه أنّ وراء العالم لا شئ ، ولا شئ لا يكون له نهاية . والحكيم يسلّم أن ليس وراءه شئ . ولا مع من يقول : إنّه لا شئ ولا يجوز خلوّه عن الجسم . لأنّه إذا لم يتصوّر فطور بين شيئين لم يملأ جسم فلا خلاف ، فكأنّهم قالوا : لو تحرّك جسم ولم ينتقل إلى حيث هو جسم آخر ، ما كان فيه شئ ، وهو صحيح ، وقد اعترفوا أنّ هذا الخلوّ لا يتصوّر ، فلا نزاع . ولا مع القائل بأنّه مقدار مطلقا . لأنّهم إذا قالوا : إنّه امتداد قائم بنفسه ، فقد اعترفوا بجوهريّته وأنّه جوهر يمكن فيه فرض أبعاد ثلاثة قائمة ، وهو مقصود