محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

210

شرح حكمة الاشراق

فلا يمتنع مثل ذلك في الهواء الّذى هو ألطف من الدّهن . ولا يمكننا أن نحكم بأنّ الماصّ لا يعطى من الهواء بقدر ما يأخذ حتّى يلزم التّخلخل بعد المصّ ، وعلى هذا فلا يدلّ الحجّة على التّخلخل أيضا ، كما لم يدلّ على التّكاثف . ومثل هذه الأشياء ، وهي عدم خروج الهواء عند دخول الماء وعدم إعطاء الماصّ من الهواء بقدر ما يأخذ ، يعسر علينا ضبطه بالمشاهدة . فلا يمكن للمشّائين أن يثبتوا مذهبهم في مسألة القارورة بمشاهدتهم خروج الهواء بالمصّ وعدم خروجه بالكبّ في القارورة . فإنّ ذلك يعسر عليهم . ولا يفيدهم مشاهدة دخول ( 106 ) الهواء بالنّفخ في القربة المجتمعة الأجزاء وخروجه عنها بالمصّ . إذ لا يلزم ، من صحّة وقوع شئ عند عدم مانع ، صحّة وقوعه عند لزوم محال أو أمر مانع ، لأنّ أجزاء القربة تتباعد بالنّفخ فيدخلها الهواء ، وتتقارب بالمصّ فيخرج منها الهواء ، بخلاف أجزاء القارورة ، إذ لا يمكن أن يتّسع باطن القارورة بالنّفخ أو يضيق بالمصّ . وإذا كان كذلك فربّما منع من نفوذ ما ينفذ في غير القارورة أو من خروج ما يخرج من غيرها ، فينفخ ، ولا يدخلها الهواء ، لامتناع الاتّساع أو المصّ ، ولا يخرج ، لضرورة عدم الخلأ . ونحدس : أنّه لو كان التّخلخل متصوّرا ، كما يقولون ، بزيادة المقدار ، لا بانضمام شئ إليه ، لزم منه تداخل الأجسام ، فإنّ المقادير إذا ازدادت والعالم قبله ، قبل ازدياد المقادير ، وفي نسخة « قبلها » ، أي : قبل المقادير الزّائدة ، كلّه ملأ ، ولا يلزم من زيادة مقدار أجسام نقصان مقدار أجسام أخرى مباينة عنها من غير سبب يوجب التّكاثف ، فيلزم التّداخل بالضّرورة . وهذا عند الطّوفانات العظيمة المائيّة أظهر ، لأنّه إذا ازداد مقدار عنصر الماء من غير انضمام شئ إليه من خارج ، ولم تنقص مقادير غيره من العناصر والمركّبات ، لزم التّداخل بالضّرورة .