محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

198

شرح حكمة الاشراق

منه لما في الخارج ، إذ لا وجود له في الخارج حتّى يطابق الذّهنىّ . بل الصّدق فيه إلحاقه بما يصلح له بخصوصه ، كإلحاق السّكون بالجسم ، مثلا ، وحمل السّاكن عليه ، لأنّ السّكون عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك ، والجسم كذلك ، فيصدق حمل السّاكن عليه ، والكذب إلحاقه بغير الجسم ، كحمل السّاكن على النّفس ، مثلا ، فإنّه يكذب ، إذ ليس من شأنها أن يتحرّك . فليس الصّدق والكذب بالمطابقة وعدمها في جميع المواضع على ما هو المشهور ، فإنّه لا يعمّ الاعتبارات العقليّة . فاعرفه ، فإنّ به ينحلّ كثير من الشّبه الواقعة في كلام المتأخّرين بل المتقدّمين . وفي مثل هذه الأشياء ، وهي الاعتبارات العقليّة ، الغلط ينشأ من أخذ الأمور الذّهنيّة واقعة ، مستقلّة في الأعيان . ولغفلة المتأخّرين عن هذه الدّقيقة كثر هذا النّوع من الغلط في كلامهم ، فاعرفه لتتفطّن محلّ مغالطتهم ، ولئلا تقع فيما وقعوا فيه . فإذا علمت أنّ مثل هذه الأشياء المذكورة ( 100 ) من قبل - كالإمكان واللّونيّة والجوهريّة - محمولات عقليّة ، فلا تكون أجزاء للماهيّات العينيّة ، يعنى الحقائق الخارجيّة ، لاستحالة أن يكون الذّهنىّ المحض الّذى لا وجود له في الأعيان جزءا ممّا هو في الأعيان . وليس إذا كان الشّىء محمولا ذهنيّا - كالجنسيّة المحمولة على الشّىء ، مثلا - كالحيوان ، كان لنا أن نلحقه في العقل بأيّة ماهيّة اتّفقت ، كالإنسان ، مثلا ، ويصدق ، فإنّه يكذب ، ولا يصدق إلّا إذا الحق بما يصلح له لخصوصه ، كالجنسيّة على الحيوان ، والنّوعيّة على الإنسان ، فإنّهما صادقان دون العكس ، فإنّهما كاذبان . والغرض تمهيد قاعدة الصّدق والكذب في الأمور الاعتباريّة ، وأنّ مفهومهما فيها غير مفهومهما في غيرها ، على ما حقّقناه . وإليه الإشارة بقوله : بل يصدق إذا ألحقنا الجنسيّة ، لما يصلح له بخصوصه ، أو بل لنا أن نلحقها في العقل لما يصلح له بخصوصه فيصدق حينئذ . وكذا الوجود وسائر الاعتبارات . أي : حكمها ما ذكرناه ، في أنّها ليست أجزاء للماهيّات الخارجيّة ، وأنّ صدقها وكذبها بإلحاقها بما يصلح له أو بغيره ، لا بمطابقتها للخارج وعدمها ، كما هو