محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

186

شرح حكمة الاشراق

أفاده شيئا هو الوجود ، لزم أن يكون للوجود وجود آخر إلى غير النّهاية . فإن قيل : إنّ الفاعل إنّما أفاد نفس الوجود ، لا وجود الوجود . قلنا : وكذلك الفاعل إنما أفاد نفس الماهيّة ، لا وجودها ، الّذى هو أمر اعتبارىّ . وإن قيل : الّذى أفاده الفاعل هو الوجوب دون الوجود . قلنا : الكلام يعود إلى الوجوب كما عاد إلى الوجود ، فإنّ فاعل الوجوب إن لم يفده شيئا فهو على العدم ، وإن أفاد أمرا عاد إليه الكلام . واعلم أنّ أتباع المشّائين قالوا : إنّا نعقل الإنسان دون الوجود ولا نعقله دون نسبة الحيوانيّة . وكذا دون نسبة غيرها من أجزاء الإنسان إليه . وعلى هذا لا يكون الوجود جزء الإنسان ولا ذاته ، وإلّا لما أمكن تعقّل الإنسان دون تعقّل الوجود ، بل زائدا عليه في الأعيان ، وهو المطلوب . وهذا وإن أمكن دفعه بأنّه لا يلزم من كون الوجود ليس جزء الإنسان ولا ذاته أن يكون زائدا عليه في الأعيان ، لجواز أن يكون زائدا عليه في الأذهان . لكنّه ما دفعه بهذا الوجه ، بل بوجه آخر ، لاشتمال الكلام على تناقض من حقّه أن يتعجّب منه ، ولذلك قال : والعجب أنّ نسبة الحيوانيّة إلى الإنسانيّة ليس معناها إلّا كونها موجودة فيه ، إمّا في الذّهن أو في العين . فوضعوا في نسبة الحيوانيّة إلى الإنسانيّة وجودين ؛ أحدهما للحيوانيّة الّتى فيه ، والثّانى لما يلزم من وجود الإنسانيّة حتّى يوجد فيها شئ . وبيان التّناقض أنّهم لمّا سلّموا أنّه لا يمكن تعقّل الإنسان دون نسبة الحيوانيّة إليه ، لكن نسبة الحيوان إلى الإنسان لا يمكن أن تتصوّر بدون وجودهما ، لأنّ معنى هذه النّسبة كون الحيوانيّة في الإنسان ، مع أنّ كون الشّىء في الشّىء يقتضى وجودهما ، لاستحالة كون المعدوم في المعدوم . فإذن لا يمكن تعقّل الإنسان دون وجوده ، وقد قالوا : إنّه يمكن ، هذا خلفّ محال . ثمّ إنّ بعض أتباع المشّائين بنوا كلّ أمرهم في الإلهيّات على الوجود ، لأنّ موضوع الإلهىّ عندهم هو الوجود ، وكذا حقيقة الواجب الّذى هو المبدأ لجميع الماهيّات ووجوداتها العرضيّة . لكنّ الوجود يقال على معان مختلفة اشتركت كلّها في أنّها