محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
171
شرح حكمة الاشراق
وإنّما لم يقيّد الأجزاء بالخارجيّة ، لما تقدّم من أنّها أجزاء ذهنيّة ، حيث قال : « والطّبيعة البسيطة إذا كان لها جنس ذهني . إلى آخره . فإذا حكم هناك أنّها أجزاء ذهنيّة وحكم هيهنا أنّها ليست بأجزاء ، فيستحيل أن يكون المراد أنّها ليست بأجزاء مطلقا ، ولا بأجزاء ذهنيّة . فتعيّن أن يكون المراد أنّها ليست بأجزاء خارجيّة ، كما قلنا : فمفهوم الجوهر والهيئة معنى عامّ ، أي : كلّىّ ، لأنّ نفس تصوّرهما لا يمنع من وقوع الشّركة فيه . ولهذا عمّ الجوهر : الجواهر الرّوحانيّة والجسمانيّة ، والهيئة : الأعراض التّسعة على رأى المشّائين ، والأربعة على رأيه . واعلم : أنّ الهيئة لمّا كانت في المحلّ ، لا تقوم بذاتها ، بل في محلّها الشّائعة هي فيه ، ففي نفسها افتقار إلى الشّيوع فيه ؛ فيبقى الافتقار ، إلى الشّيوع في المحلّ ، ببقائها . وإذا بقي الافتقار ببقائها ، فلا يتصوّر أن تقوم بنفسها ، وإلّا لما بقي الافتقار ببقائها ، ولا أن تنتقل من محلّ إلى آخر ، فإنّها عند النّقل تستقلّ بالحركة ، إذ لا يمكن انتقالها من محلّ إلى آخر إلّا بحركة مستقيمة تستقلّ بالقيام فيها ، والجهات ، السّتّ ، لأنّ كلّ متحرّك ، فما منه إلى جهة غير ما منه إلى أخرى ، ولزوم السّتّ منه لا يخفى على الفطن ، والوجود . لاستحالة حركة المعدوم ، لكونه غير مستقلّ بالقيام بنفسه . فيلزمها ، أي : الهيئة ، بسبب كونها موجودة ذات جهات ستّ ، أبعاد ثلاثة ، متقاطعة على زوايا قائمة ، وكلّ ما كان كذلك فهو جسم . فهي ، أي : الهيئة ، جسم ، لا هيئة . هذا خلف ، لتباينهما ، على ما بيّن بقوله : والجسم هو جوهر يصح أن يكون مقصودا بالإشارة ، الحسيّة ، نحو أنّه هنا وهنالك وهيهنا وهناك وأمثال ذلك ، وبهذا القيد خرج عن الحدّ الجواهر العقليّة ، إذ لا يمكن أن يشار إليها بالإشارة الحسّيّة ، بل بالعقليّة . وظاهر أنّه لا يخلو عن طول وعرض وعمق مّا ، والهيئة ليس فيها شئ من ذلك ، أي : من الأبعاد الثّلاثة ، فهما متبانيان ، لا يصدق شئ منهما على شئ ممّا يصدق عليه الآخر . والحاصل ، أنّه لو انتقلت الهيئة لكانت جسما ، لكنّها ليست بجسم ،