محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
123
شرح حكمة الاشراق
الأوّلىّ ، نحو : « النّفى والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان » ، قد يكون مشهورا ، إذ المعتبر في شهرتها تطابق الآراء عليها ، لا مطابقتها لما عليه الأمر في نفسه . فالمشهور قد يكون أوّليّا ، أي : فطريّا ، وقد لا يكون . فلهذا قال : والمشهورات أيضا قد لا تكون فطريّة . وانّما قال : « أيضا » ليعلم أنّ « الوهميّات » أيضا قد لا تكون فطريّة ، وأمثلته واضحة ؛ وقد تكون فطريّة ، كحكمه بأنّ جسما واحدا في زمان واحد لا يكون في مكانين ، وكون هذا الحكم عقليّا لا ينافي كونه وهميّا ، لأنّه قد يتّفق حكمهما ، لكنّه يكون جزئيّا من حيث هو مدرك الوهم ، لأنّه لا يدرك إلّا كذلك ، وكليّا من حيث هو مدرك العقل . فمنه ، أي : من المشهور الّذى هو غير فطرىّ ، ما يبيّن بالحجّة ، كحكمنا بأنّ الجهل قبيح ، ومنها ، أي : ومن المشهورات ، باطل ، كقولهم : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » . إن لم يأوّل بأنّ نصرة الظّالم كفّه عن الظّلم ، وإلّا لكان حقّا ، لا باطلا . وقد يكون الأوّلىّ مشهورا أيضا من حيث عموم الاعتراف به ، لا من حيث كونه حقّا وإن كان سبب الشّهرة وعموم الاعتراف به ذلك ، كقولنا : « الضّدّان لا يجتمعان » ، بإنّه أوّلىّ ومشهور باعتبارين . والثّالث : « المقبولات » ، وهي قضايا تؤخذ عن شخص يعتقد فيه ، إمّا لأمر سماوىّ أو مزيد عقل ودين ، كالمأخوذات من أفاضل السّلف وأماثل الخلف [ 62 ] ، وهو المراد من قوله : ومن القضايا ما قبل أيضا عمّن يحسن به الظّنّ . والرّابع : « المخيّلات » ، وهي قضايا توثّر في النّفس حالة الورود عليها تأثيرا عجيبا ، من قبض وبسط ، صادقة كانت أو كاذبة ، كقولك في ترغيب شرب الخمر : « إنّها ياقوتيّة سيّالة » ، وفي تنفير تناول العسل « إنّه مرّة مقيّئة » ، فترغب النّفس في الأوّل وتنفر عن الثّانى . وإليه أشار بقوله : ومن القضايا ما يؤثّر لا بتصديق ، وفي أكثر النّسخ : « ما لا يؤثّر بتصديق » ، بل بقبض وبسط ، وسميّت « المخيّلات » ، كحكمك بأنّ « العسل مرّة مهوّعة » . وإنّما لم يقل في المقبولات : « وسميّت بها » ، لأنّ قوله : « ومن القضايا ما قبل » يدلّ على