محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
119
شرح حكمة الاشراق
إذا لم يكن له ذلك المشعر ، كالأكمه ، مثلا ، فلا تحتجّ عليه بأنّ الشّمس مضيئة ، وكذا إن كان له ذلك المشعر ، لكن لم يكن له ذلك الشّعور ، كاحتجاجك على من لم يشاهد الفيل ، مثلا ، بأنه كذا ، فإنّه لا يصحّ ، وأمّا من حصل له ذلك المشعر أو الشّعور ، فيجوز أن يحتجّ عليه بها . أو يكون « حدسيّا » ، والحدسيّات على قاعدة الإشراق لها أصناف . وإنّما عبّر عنها بالأصناف ، لأجل أنّ الاختلاف بين أقسام الحدسيّات على قاعدة الإشراق ، بل بين جميع الأوّليّات السّتّة عند الجمهور بالعوارض ، لا بالذّاتيّات المقوّمة لماهيّة القضيّة من حيث هي هي ، ولهذا قد يتداخل بعض أقسام الأوليّات . أوّلها « المجرّبات » . وهي مشاهدات متكررة مفيدة بالتّكرار يقينا ، تأمن فيه النّفس عن الاتّفاق ، أي : عن كون الحكم اتّفاقيّا . وذلك لانضمام قياس خفىّ إليه ، وهو أنّه لو كان اتّفاقيّا لما كان دائما ولا أكثريّا . ثمّ يستثنى نقيض التّالى لنقيض المقدّم ، كحكمك بأنّ الضّرب بالخشب مولم . وإنّما مثّله بهذا ليشعر بأنّ التّجربيّات لا تقال إلّا في التّأثير والتّأثّر ، فلا يقال : جرّبت أنّ هذا القار أسود ، مثلا ، بل يقال : جرّبت أنّ النّار محرقة ، وأنّ السّقمونيا مسهل . وليس هو ، هذا الحكم الحاصل بالتّجربة ، من الاستقراء ، : من الحكم الحاصل بالاستقراء الّذى هو جعل المشاهدات الجزئيّة مبدءا للحكم الكلّىّ ، لأنّه غير مفيد لليقين ، والتّجربة تفيده لانضمام القياس إلى المشاهدات الجزئيّة . والاستقراء هو حكم على كلّىّ بما وجد في جزئيّاته الكثيرة . فإن كان الحكم شاملا لجميع جزئيّاته فهو الاستقراء التّامّ . كقولك : « الحيوان والنّبات والجماد متحيّز ، فكلّ جسم متحيّز » ، وهو يفيد اليقين ، لأنّه في قوّة قياس مقسّم [ 60 ] يفيده . ونظمه أن يقال : : « كلّ جسم إمّا حيوان أو نبات أو جماد ، وكلّ حيوان ونبات وجماد متحيّز ، فكلّ جسم متحيّز » . وإن لم يكن الحكم شاملا لجميع جزئيّاته فهو الاستقراء النّاقص ، وهو لا يفيده ، لما يذكر .