فخر الدين الرازي
6
لباب الاشارات والتنبيهات
اللّه له سلوكه من المستقبل . وإذا لم يغير الإنسان أولا ، فإن اللّه لا يغير له سلوكه في المستقبل ، أي أن علم اللّه يتغير بتغير عمل الإنسان . وعلى الإنسان أن يبدأ أولا . وهذا القول وشبهه كثير ، يدل على أن الإنسان مخير ، وهو موافق لقوله : « فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا » وعكس هذا المعني وهو أن الإنسان مجبور على أفعاله نجده في آيات كثيرة . منها : الآيات التي تبين أن اللّه خلق آدم ليجعله خليفة في الأرض ، وسواء عصى الأمر آدم أو لم يعص ، فإنه مخلوق للخلافة في الأرض . فعصيانه - وهو فعل - كان في علم اللّه من قبل أن يكون ، ولا بد أن يتحقق ، سواء أمر به ، أو لم يأمر به ، وسواء كان علم اللّه انكشاف بدون تأثير أو انكشاف بتأثير . أعنى أن آدم - عليه السلام - كان مجبورا على فعله وكل أولاده مجبورون ، بناء على صفة العلم . فماذا قال الإمام فخر الدين في حل هذه المشكلة ؟ - مع أنه يميل إلى القول بالجبر « 1 » - وهو يعلم فيها قول الجبرية الذين ينفون اختيار الإنسان لأفعاله ، وقول المعتزلة الذين ينفون الجبر عن الإنسان ، وقول الأشاعرة الذين يقولون بأن الإنسان ينسب إليه الفعل مجازا والفاعل في الحقيقة هو اللّه ، كما ينسب إنبات النبات إلى المطر مجازا ، والمنبت في الحقيقة هو اللّه وحده . وقول الجهمية الذين ينفون علم اللّه بالأشياء قبل وقوعها . ماذا قال ؟ أي أنه كان يجب عليه أن يرتب القضية على هذا النحو : يذكر من القرآن : 1 - آيات خلق آدم وعصيانه 2 - وآيات حرية الإنسان 3 - وآيات الجبر 4 - وآيات تغير العلم ؛ لأن لها علاقة بآيات حرية الإنسان 5 - وآيات العلم بما في الغد ؛ لأن لها علاقة بآيات الجبر . ثم يوفق بين
--> ( 1 ) أنظر المباحث الأربعة التي كتبناها في التقديم لكتاب القضاء والقدر لفخر الدين الرازي - طبعة مستقلة عن المطالب العالية من العلم الألهى .