فخر الدين الرازي

55

لباب الاشارات والتنبيهات

والثاني : إن « أبا علي بن الهيثم » قال : « هذا القدر لا يقتضى أن يكون نوره مستفادا من الشمس لاحتمال أن يكون كرة القمر ، نصفها مستنيرا ، ونصفها مظلما . ثم إنها تكون مستديرة في مكانها على محورها حركة متشابهة لحركة فلكها فإذا صار القمر مجامعا للشمس ، كان نصفه المستنير فوق ، ونصفه المظلم تحت ، ثم لا يزال يبعد عن الشمس فوق ، ويتحرك هو أيضا في مكانه على نفسه فإذا وصل إلى مقابلة الشمس ، تحرك هو أيضا في مكانه نصف دورة فيصير وجهه المضئ إلينا وعلى هذا التقدير لا يلزم من اختلاف تلك التشكلات ، أن يكون نوره من الشمس » وأما المتواترات : فهو أن يبلغ كثرة الشهادات ، إلى حيث يحصل اليقين . كاعتقادنا بوجود « مكة » ووجود « جالينوس » ومن حاول أن يحصر هذه الشهادات في عدد ، فقد أحال ، بل المرجع فيه إلى اليقين . فاليقين هو القاضي بتواتر الشهادات ، لا عدد الشهادات ، هو القاضي باليقين . واعلم : أن فيه أيضا ذلك الإشكال : وهو أن الإنسان ما لم يعلم بعقله : أن هذه الشهادات على كثرتها ، وتفرق أهلها في الشرق والغرب ، يستحيل أن تكون كاذبة ، لم يقطع بمقتضاها ولولا قضاء العقل بتلك المقدمات ، لما أفادت هذه الشهادات شيئا . وبهذه المقدمات التواترية : نتائج الأوائل . وأما القضايا التي قياساتها معا فهي قضايا إنما يصدق بها لأجل وسط ، لكن ذلك الوسط ، لا يعزب عن الذهن البتة مثل قضائنا بأن الاثنين نصف الأربعة .