فخر الدين الرازي
16
لباب الاشارات والتنبيهات
أي في اليوم المعروف والمعهود ستجزون . وقد يراد به يوم القبر فإذا كان المراد به اليوم الذي فيه خرجت الروح وهو يوم القبر ، فله معنى يبعده عن أن يكون مثبتا لعذاب في القبر وهو : أن الروج إذا فارقت البدن فإن المدة من حين فراقها إلى يوم القيامة تكون مدة قليلة جدا ، كأنها يوم أو بعض يوم ، فلقصر المدة عبر باليوم ويريد به القيامة لا القبر ، كما في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » وكما روى عن أهل الكهف أنهم قالوا : « لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » ( الكهف 19 ) وعن الذي مات مثة عام أنه قال : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ ( البقرة 259 ) وعن الكفار أنهم قالوا يوم القيامة : « لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » ( المؤمنون 112 ) أي لم يحس أحدهم بشئ في القبر . 3 - قوله تعالى عن قوم نوح عليه السلام : « أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً » ( نوح 45 ) هو نص متشابه ، يحتمل أن الدخول بعد الغرق مباشرة - وعلى هذا الاحتمال يثبت عذاب القبر - ويحتمل أن الدخول في القيامة ، لأن المدة من الغرق إلى القيامة لا يحس بها الميت - سواء كان مؤمنا أو كافرا - فكأنه إذ قام في القيامة ، كأنه دخل النار بعد الغرق ، لعدم الإحساس بالمدة . كان يجب على الإمام فخر الدين أن يعرض الآراء بالمحكم والمتشابه ؛ ثم يرد عليها إذا شاء الرد . والرد ميسور وسهل عنده . والذي دعا المعتزلة إلى إعمال الفكر والنظر ، ودفعهم إلى تحكيم العقل « 1 » هو المحكم والمتشابه في القرآن الكريم . قالوا : إن أحد
--> ( 1 ) يقول الامام القرطبي في تفسيره : « العقل عمدة التكليف وبه يعرف اللّه ويفهم كلامه ، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله الا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العيد ، بعثت الرسل ، وأنزلت الكتب . فمثال الشرع الشمس ، ومثال العقل العين . . . الخ » ( الاسراء - ولقد كرمنا بني آدم ) .