فخر الدين الرازي

13

لباب الاشارات والتنبيهات

ثم نقول : في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر ، وبيانه من وجهين . . . إلخ » . وهو قد جانبه الصواب في قوله إن النصائح تقوم مقام النار ، لأن الإعراض عنها هو السبب في عرضهم على النار ، لأن كلمة « النار » في قوله « النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها » هي موضع الإشكال في النص . ولابد من تفسيرها بعذاب واقع . وهي تحتمل معنيين : إما النار على الحقيقة وهي التي لها لهب ودخا ، وإما النار على المجاز . بمعنى آلام النفس في الدنيا وآلام الجسد . وإن كان المراد من « النار » النار الحقيقية ، تكون الآية نصا في عذاب القبر ، وإن كان المراد من النار النار على المجاز ، لا تكون الآية نصا في عذاب القبر . ولا حتما لها معنيين تكون من المنشابه الذي يرد إلى المحكم . وقد جاء في القرآن الكريم أن اللّه أخذ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . آيات مفصلات . وكل هذا عذاب . والعذاب من النيران . فإذا أطلق عرضهم على النار غدوا وعشيا ، على ما حصل لهم من عذاب السنين ونقص الثمرات ، فإن هذا سائغ في اللغة « 1 » . فقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « السفر قطعة من العذاب »

--> ( 1 ) قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ ، كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ » . قال فخر الدين الرازي في تفسيره ، قال قائل « يعنى الأحياء من الكفار يئسوا من الأموات » يريد هذا القائل أن يقول : الحي الكافر لا يرجو نفعا في الآخرة ، كما لا يرجو الحي نفعا من الميت . وعلى هذا الرأي لا تكون الآية نصا في عذاب القبر أو نعيمه وقوله تعالى : « يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ » حكى الرازي في تفسيره رأى معناه : أن اللّه يلهم المؤمنين قول الحق في الدنيا ويثبتهم عليه ، ولو أصابتهم شدائد أمام الولاة والسلاطين الظلمة ، فان اللّه يثبتهم على قول الحق ويربط على قلوبهم . ويقول ما نصه « وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في لقبر » أي أن النص متشابه غير محكم ، والتأويل سائغ في اللغة .