فخر الدين الرازي
117
لباب الاشارات والتنبيهات
القضية . فالمفهوم من أنا حاضر لي في ذلك الوقت ، مع أنى في ذلك الوقت أكون غافلا عن جميع أعضائي ، والمشعور به غير ما هو غير مشعور به فأنا مغاير لهذه الأعضاء . وإن شئت أمكنك أن تجعل هذا برهانا على أن النفس غير متحيزة لأنى قد أكون شاعرا بسمى أنا حال ما أكون غافلا عن الجسم ، فإذا وجب أن لا يكون جسما . فإن قيل : قد أكون شاعرا بسمى أنا حال ما أكون غافلا عن النفس ، فأنا مغاير للنفس . قلت : النفس لا معني لها إلا المشار إليه بقولي أنا فيستحيل أن أكون عالما بهذا المشار إليه حال ما أكون غير عالم بالنفس ، بل النفس لها لازم سلبى ، وهي أنها ليست بمتحيزة ولا حالة في المتحيز ، ولا بعد في أن تكون ماهية معلومة ، مع أنه يكون بعض لوازمها مجهولا . وليس لأحد أن يقول : فلم لا يجوز أن تكون الجسمية لازمة للمشار إليه بقولي أنا فيكون ذلك المشار إليه معلوما والجسمية مجهولا ؟ لأن على هذا التقدير تصير الجسمية حالة في محل ؛ وذلك محال ، لأن محل الجسمية مجهولة . إن كان مشارا إليه كان محل الجسمية جسما ، فيفتقر إلى محل آخر ، وإن لم يكن مشارا اليه لم يكن مختصا البتة بمكان وجهة ، فالجسمية المختصة بالمكان والجهة يمتنع أن تكون حالة في الشئ الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة أصلا . فثبت : أن الجسم ذات غير حال في محل ، فلو كان المشار اليه بقولي أنا جسما لكان عينه ، لا أنه يكون ملزوما له ، فكان يمتنع في الشاعر