أبو حامد الغزالي

98

محك النظر

إما قديم وإما حادث فهذه مقدمة وهما قضيتان ، يحذف إما الأولى قولنا العالم قديم أو الثانية قولنا العالم حادث ، فتسليم إحدى القضيتين أو نقيضها يلزم منه لا محالة نتيجة وينتج فيه أربع تسليمات : فإنا نقول ومعلوم أنه حادث فيلزم منه نقيض المقدمة الأخرى وهو أنه ليس بقديم . أو نقول ومعلوم أنه ليس بحادث فيلزم منه عين المقدمة الأخرى . أو نقول ومعلوم أنه قديم فيلزم منه نقيض الأخرى وهو أنه ليس بحادث . أو نقول ومعلوم أنه ليس بقديم فيلزم منه عين الأخرى . فبالجملة كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ونفي أحدهما إثبات الآخر ، ولا يشترط أن تنحصر المقدمة في قسمين بل شرطه أن تستوفى أقسامه وإن كان ثلاثا . فإنا نقول هذا الشيء إما مساو وإما أقل وإما أكثر فهذه ثلاثة ولكنها حاصرة ، فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث وإبطال واحد ينتج انحصار الحق في الآخرين أحدهما لا بعينه ، والذي لا ينتج فهو أن لا يكون محصورا ، كقولك زيد إما بالعراق وإما بالحجاز وهذا مما يوجب إثبات واحد نفي الآخر ، فإنه إن ثبت أنه بالعراق انتفى عن الحجاز وهذا وغيره . وأما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر إذ ربما يكون في صقع ثالث ويكاد يكون كلام من يستدل على إثبات رؤية الباري بإحالة تصحيح الرؤية على الوجود غير محصور ، إلا أن نتكلف لحصره وجها بأن نقول تصحيح الرؤية لا يخلو إما أن يكون بكونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا فيبطل بالحركة . فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود فهو المصحّح ، إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك لم يعثر عليه الباحث سوى الموجود ، مثل كونه بجهة من الرائي مثلا . فإن أبطل هذا أيضا فلعلّ ثمّ معنى آخر ، إلا أن نتكلف حصر المعاني ونتكلف نفي جميعا ونبيّن أن طلب مصحح لا بد منه فعند ذلك تحصل النتيجة ، فهذه ضروب الأقيسة . فكل استدلال لا يمكن ردّه إلى هذه الضروب فهو غير منتج وسنزيده شرحا في حق اللواحق .