أبو حامد الغزالي
54
محك النظر
لذلك يقول الغزالي : « القياس المنتج لا ينصاغ إلّا من مقدمات يقينيّة ، إن كان المطلوب يقينيّا أو ظنيّا ، إن كان المطلوب فقهيّا » « 1 » . واليقيني في المحكّ هو الذي لا يقبل الاحتمال أو الإمكان ، ويكون بمثابة البديهيّات العقليّة والاعتقادات الدينية . فالعلوم الدينية قضاياها جازمة ، كما يقول الغزالي . ف « لنسمّ هذا الجنس اعتقادا جزما وهو أكثر اعتقاد عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم ومذاهبهم . . . » « 2 » . وسبق أن تكلمنا عن رفض الغزالي لموادّ قضايا أرسطو وأقيسته ، واعتماده المادّة الإسلامية مضمونا . وها نحن نجده يعتمد هذه المعاني بما تحمله المصطلحات والتعابير والرموز اللغوية ، فحوى ومعنى ، مثلما شرحنا . ونستطرد بأنّ الظنّ له دلالات فقهيّة إلى جانب دلالاته العقلية ، كما لليقين دلالات لغويّة وصوفيّة وأصوليّة دينية . وقد ترسّخت هذه المفاهيم متميّزة من غيرها منذ المحكّ . وبهذا انتقلت مادّة القياس فيه إلى مضامين دينية ، بعد أن كانت خليطا ، في المقاصد والمعيار ، من التأثر بابن سينا والتصنيف العقليّ المنطقيّ ، زيادة على بعض المعاني والمرادفات الإسلامية . ومن مواد المقدمات اليقينية التواتر الذي يحصّله الغزالي بقوله : « . . . زاد الظنّ ، وهكذا لا يزال يترقّى قليلا قليلا في القوّة إلى أن ينقلب الظنّ على التدريج يقينا إذا انتهى الخبر إلى حدّ التواتر . . . » « 3 » . وتتعلق هذه الشروح بالحديث الشريف وبتواتر المعلومات الإسلامية بشكل محصور ومحدّد . وقد صنّفت أنواع المقدّمات متشابهة مع المعيار ، وقال الغزالي فيها : « إعلم أنّ مدارك الظنون لست أذكرها فإنها واضحة للفقهاء والناس كافّة ، ولكن أذكر مدارك اليقين والاعتقادات التي يظنّ بها اليقين . ومجامعها في ما حضرني الآن ينحصر في سبعة أقسام . . . » « 4 » . ولم يلبث أن ذكرها بالتفصيل كالآتي : ( الأوليّات ، والمشاهدات الباطنة ، والمحسوسات الظاهرة ، والتجريبيّات ، والتواتر ، والوهميّات ، والمشهورات ) . وكان
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 45 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 46 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 47 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 47 .