أبو حامد الغزالي

48

محك النظر

واحدا ، إلّا أنّ استخدام كلّ منهما له أبعاده المعيّنة . ونرجّح من جهتنا أن للإيجاب بعدا منطقيّا رياضيّا يعبّر عن الكمّ . أمّا الإثبات فيدلّ على الحكم ويرمز إلى البعد الكيفيّ الذي يخدم في المسائل الفقهيّة والأحكام . إذ يحمل شيئا على شيء من دون دلالة كميّة أو رياضيّة . وربّما وعى الغزالي ما رجّحناه ، فأحسن استخدام الاصطلاح تبعا لغرض كلّ كتاب واتّجاهه المنطقيّ أو الفقهيّ . وربما كان تداوله للمصطلح لا واعيا . وفي الحالين يكون الإمام قد أصاب هدفه . فكان اختيار اللفظ تعبيرا عن توجّه المضمون وشكل المعالجة . والحال نفسها في استخدام الغزالي لمصطلحي السلب والنفي . وهما يدلّان على المعنى نفسه . ويؤدّيان إلى نزع الشيء عن الشيء الآخر . وجاء تعبير السلب في المقاصد والمعيار ، بينما كان النفي في المحكّ والمستصفى بشكل أظهر . ويأتي النفي بمعنى سلب الصفات ، أو انتزاع حكم عن الموضوع ، وهو يفيد في الأحكام . ويعطي أبو البقاء مثالا دينيّا على ذلك فيقول : « قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إنّما جيء به في مقابلة العبيد « 1 » ، أي جيء بالحكم لنزعه عن العبيد . فيدلّ النفي إذا على نزع الحكم أو نزع الصفة عن الموضوع . وهذه وقائع الشرعيّات . بينما يفيد السلب في الدلالات الرياضيّة التي لها أبعاد كميّة . ويعمل منطقيّا على انتزاع أو استبعاد التداخل بين الحدود . وعلاوة على كلّ هذا التوجّه لم ينبذ الغزالي القواعد الأساسية لأنواع الأقيسة وأشكالها « 2 » . إذ قال في النظم الثاني : « من نظم القياس أن تكون العلّة ، أعني المعنى المتكرّر في المقدّمتين ، حكما . . . أعني أن يكون خبرا فيهما ولا يكون مبتدأ . . . » « 3 » . فالعلّة والمبتدأ والخبر مفاهيم دينيّة

--> ( 1 ) الكفوي ، الكليّات ، ص 355 . ( 2 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 32 - 44 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 35 .