أبو حامد الغزالي
35
محك النظر
الحيوان ، فلجأ إلى الأمثلة المحسوسة الطبيعية تحت فعل البعد الدينيّ . والملخّص من موضوع الألقاظ والمعاني في محكّ النظر ، هو تلك الاختلافات بينه وبين المعيار والتي عرضناها بإيجاز سابقا . ويؤكد كلّ ذلك الاتجاه اللغويّ الذي بدأه الغزالي في المعيار بتأثير من طبيعة اللغة . وقد تعمّق هنا في المحكّ وأخذ طابعا دينيّا فقهيّا . تجاوز حدود الالتزام بأبعاد المنطق أحيانا . ويمكن القول : إنّ الكلّي ، بوصفه عمليّة منطقيّة صوريّة تعمد إلى التجريد ، انعدم نسبيا في محكّ النظر واختفى . وربّ قائل : إنّ وروده في المقاصد والمعيار لم يكن سوى نقل . ومع جانب الصحّة في هذا لقول ، إلّا أنّ المحك قد بلور المسألة الدينية بوضوح . وربّما اختزلت عمليّة التجريد المنطقية الشكليّة في المحكّ إلى عملية تجريد عقلية نفسيّة فقط . ويتجلّى هذا في تفسير الإمام لكيفيّة تصوّر اللونيّة والشكليّة ، فيقول : « إصطلحنا على تسميتها عقلا ، فيدرك ويقضي بقضايا ، ويدرك اللونيّة مجرّدة ، ويدرك الحيوانيّة . . » « 1 » . يتطرق الغزالي في موضوع الحدّ إلى أبحاث الحدّ نفسها الواردة في المعيار ، مع شيء من الاختصار وبحلّة إسلامية . ويعتبر اكتمال معرفة الحدّ عن طريق التعريف باللفظ والرسم والحدّ . ويوضح الأمر في مجموعة الأسئلة التي يطرحها والتي تجيب على كنه الحدّ ، وتنحصر في أربعة مطالب : هل ، وما ، ولم ، وأيّ . ويعتبر مطلب « ما » أهمّها ، وفيه مثال الفقه المشهور : « الخمر » . ويفيدنا مطلب « ما » بثلاثة أجوبة : - يعرّفنا بتمييز الاسم وشرحه ، أي بالتعرّف على حدّه اللفظيّ . فنقول : ما العقار ؟ هو الخمر . - ويدلّنا على مميّزات الشيء العرضيّة ، ويسمّى حدّا رسميّا . فنقول
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 21 .