أبو حامد الغزالي

30

محك النظر

والغريبة عن الفكر الإسلامي وعقليته . فالمسلمون لم يعوا الحدّ إلّا في دوره الإسمي المميّز بين الألفاظ . لقد اقتصر التوجّه بالمعيار نحو بعض الأمثلة الفقهية ، وكانت بمثابة التمهيد للمحكّ ، إذ يقول الغزالي : « رغبنا ذلك أيضا في أن نورد في منهاج الكلام في هذا الكتاب أمثلة فقهية فتشمل فائدته ، وتعمّ سائر الأصناف جدواه وفائدته . ولعل الناظر بالعين العوراء ، نظر الطعن والإزراء ، ينكر انحرافنا عن العادات في تفهيم العقليّات القطعية بالأمثلة الفقهيّة الظنيّة . فليكف عن غلوائه في طعنه وإزرائه ، وليشهد على نفسه بالجهل بصناعة التمثيل وفائدتها . فإنها لم توضع إلا لتفهيم الأمر الخفيّ بما هو الأعرف عند المخاطب المسترشد ، ليقيس مجهوله إلى ما هو معلوم عنده ، فيستقر المجهول في نفسه . . . « 1 » . فاقتصر غرضه على إعطاء الأمثلة الفقهية ، لاستساغة الأمور العقلية لا أكثر ويعترف بأنه يقوم بصناعة فكرية للتفهيم . بينما الأمر في « المحك » يختلف تماما ، فثمة تجاف وتباعد عن غرض التقليد والاتّباع ، - قاصدا اتّباع ابن سينا - واقتراب إلى الإبداع وتأليف المنطق الإسلامي الذي يرشد إليه نور اللّه والاستبصار المعرفيّ . « وما أحوج إلى هذا من ركب متن الخطر في الارتفاع عن حضيض التقليد ، مع سلامة مغبّته إلى يفاع الاطّلاع والاستبصار ، مع خطر عاقبته وتفاقم غائلته . فإن لم يره الحق حقا ، كان نظره كلّه هباء ، وإن لم يوفّقه للعمل بما علمه كان جهده كلّه عناء . . . » « 2 » . وبدل أن يسمّي مبحث الحدّ تصوّرا يسمّيه في المحك المعرفة . ويصرّح بأن المعرفة متأتّية من اللغة العربية . و « يقول النحاة أن المعرفة تتعدّى إلى مفعول واحد ، إذ يقول عرفت زيدا ، والظنّ يتعدّى إلى مفعولين ، إذ تقول

--> ( 1 ) الغزالي ، المعيار ، ص 27 . ( 2 ) الغزالي ، المحك ، ص 3 - 4 .