أبو حامد الغزالي
23
محك النظر
رابعا - القسطاس المستقيم : جعل الغزالي المنطق فيه مستمدّا من منهج القرآن ودليل آياته . فاستخرج القياس من القرآن ، واستعمل مصطلحات جديدة تفهيما للمسلم وصهرا للمنطق في بوتقة إسلاميّة . خامسا - المستصفى من علم الأصول : وفيه مقدّمة منطقيّة عرضت فيها قواعد المنطق وأبوابه ، بما يتشابه مع ما كان في المحكّ . وشكّل ذلك مدخلا لعلم الأصول الذي شرحه الإمام في بقيّة الكتاب ، متناولا الجوانب الأصوليّة كافة ، مركّزا على المعايير العقليّة ، وفيها تفصيل وتجديد وتأثّر بالمنطق العقليّ . خرجت كتب الغزالي تباعا خلال حقب حياته المختلفة . وتطوّرت من نقل للمنطق إلى تحوير له ، وجعله أداة إسلاميّة ، يستعان بها في الفقه والاجتهاد . وقد بدأ الغزالي ناقلا منطق أرسطو عبر ابن سينا ، وتدرّج إلى موفّق بين المنطق والعلوم الإسلاميّة ، حتّى بلغ شأوه ، فجعل المنطق علما إسلاميّا : منهجا ومصطلحا ، وطبعه بسمات العقليّة العربيّة والإسلاميّة . بحيث أطلقنا على هذه العمليّة اسم محاولة تطعيم المنطق بأصول الفقه . كتب الغزالي مقاصد الفلاسفة في أثناء تلقّيه العلم ، وفي طور التدريب في بغداد . وتهيّا للردّ على الفلاسفة نتيجة خطرهم على عقول الناس وإزاغتهم للعقيدة . لم يميّز في المقاصد بين الحقّ والباطل ، إنّما قصد فيه التفهيم « 1 » ، وعرض النظريّات تمهيدا لدحضها في كتاب آخر . وجد الإمام نفسه محتاجا إلى منهج عقليّ ومعيار فكريّ يدعم فيه الأصول الفقهيّة والتفكير الإيمانيّ ، بعد أن تفهّم المنطق وسرده سردا عامّا في مقاصد الفلاسفة . فكان له ما شاء ، إذ عزل المنطق عن الأبحاث الفلسفيّة وأقرّه علما معياريّا ممزوجا ببعض الخصوصيّات الإسلاميّة ، جامعا
--> ( 1 ) الغزالي ، مقاصد الفلاسفة ، مصر ، دار المعارف ، 1961 ، ص 31 .