أبو حامد الغزالي

20

محك النظر

دفع الفرد نحو الاختيار والانطلاق طلبا للرزق وسعيا في الإنتاج ، بدلا من التوكّل والخمول « 1 » . ولا عجب في أن نرى عصر الغزالي يشهد نشاطا تجاريّا وعمرانيّا بالرغم من الصراع والتمزّق السياسيّين . ولم يعتنق الغزالي مذهب الاعتزال كليّا ، بل وقف وسطا بينه وبين الجبريّة السنيّة متبنّيا المذهب الأشعريّ الذي أنشأه : « أبو الحسن علي الأشعريّ - ( توفي 302 ه / 935 م ) - عني بالتوفيق بين منهج المعتزلة الكلاميّ وبين تفكير السنّة ، نجد نظام الملك يشجّع هذه النزعة . . . ويؤيّدها . . . » « 2 » . ولعب هذا التشجيع دورا مؤثّرا في تبنّي الغزالي الأشعريّة ، التي ألّف فيها واعتبر أحد أقطابها . نادى الأشاعرة بنظريّة الكسب الإنسانيّ ، ومؤدّاها رفض موقف السلف الذي يرى : أنّ اللّه يخلق كلّ أفعال العبد ، ورفض موقف المعتزلة القائل : إنّ العبد يخلق أفعاله . ومن ثمّ القول إنّ الفعل مخلوق للّه الحرّ ، وإنّ العبد يكتسبه مختارا بين مجموعة من الممكنات « 3 » .

--> ( 1 ) تقابل روح الخمول روح التجارة والمغامرة وطلب السفر والعناء ؛ وقد ظهرت بذورها قبل عصر الغزالي وفي أثنائه . ويمدّنا كتاب البخلاء بصورة عن طبقة ماليّة نشطة ومدّخرة . كما تصوّر حكايات السندباد البحريّ رموزا من المغامرات التجاريّة ، ولا سيّما بين البصرة والمدن الأخرى . وذكر ، عبد العزيز الدوري : في كتابه مقدّمة في التاريخ الاقتصادي العربيّ ، ط أولى ، بيروت ، دار الطليعة ، 1969 ، ص 37 وما بعد ، عن اضطرابات أصحاب صناعة النسيج ، ما يشير إلى ظهور الحرف والصناعات بشكل أوّليّ . وترافق ذلك مع الحريّة العقليّة والجدّ والاجتهاد . إذ لعب التفكير العقليّ الحرّ دورا منشّطا ، اعتمد به الفرد على ذاته . ونقارن ذلك بدور البروتستانتيّة وبما قاله ماكس فيبر عن أثرها وفعاليّتها في ظهور الرأسماليّة بأوروبة . وقد ارتكزت آراء الدوري السابقة على إجماع المؤرخين وذكرهم لظهور الحرف والتبضّع ، استنادا إلى المنتظم لابن قيّم الجوزيّ ، والكامل لابن الأثير ، وتاريخ الوزراء للصابي ، وتجارب الأمم لابن مسكويه ، مع إشارتها إلى الأنظمة الضرائبيّة الخاصّة بهذه الحرف . ( 2 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، ص 275 . ( 3 ) الشهرستاني ، أبو الفتح محمد ، نهاية الإقدام في علم الكلام ، أوكسفورد ، يونيفرستي برس ، 1931 ، ص 67 - 78 .