أبو حامد الغزالي

16

محك النظر

المتصوّف والمربّي الوفيّ . فتابع الإمام تعليمه في النظاميّة ، وتوجّه بعدها إلى جرجان طلبا للاستزادة من العلم . ثمّ عاد بعدها إلى طوس يتمثّل ما تلقّاه ويفيد منه . وانتقل في عام ( 470 ه / 1078 م ) إلى نيسابور حيث التقى فيها إمام الحرمين ( 419 - 478 ه / 1029 - 1086 م ) وفي هذه الأثناء تلقّى الأصول . درس الإمام الحكمة والفلسفة والمنطق والجدل وفهم المسائل العلميّة المختلفة وقصد بعدها نظام الملك في معسكره ، فأعجب به وزير الدولة وقدّمه وولّاه التدريس في النظاميّة ببغداد عام 483 ه . وخرج بعدها عام 488 ه قاصدا الحجّ في الحجاز ، بعد أن استناب أخاه للتدريس فيها . لم تكن غايته الحجّ فقط ، إنّما أراد في رحلته متنفّسا بعد أن عصفت به أزمته الشكّيّة ، وأدّت به إلى التنقّل والارتحال زهاء عشر سنوات . ويقول بروكلمان عن هذه المرحلة من عمر الغزالي : « تخبّط برهة في دياجير شكوكيّة حادّة ، ظهر استعداده لها منذ شبابه الأوّل . - يؤيّد هذا تأصّل الشكّ في نفسيّة الغزالي وصولا لليقين التامّ - وفيما هو يجوز هذه الأزمة الروحيّة ، تمّت له تجربة دينيّة حاسمة . فكما تحرّك النبيّ لأداء رسالته بدافع الخوف من الحساب المرتقب يوم الحشر ، هكذا عصفت بالغزالي أعاصير من الأسئلة حول الآخرة والبعث ، فلمّا كانت سنة 1095 م اعتزل منصبه الساميّ ببغداد وطفق يتنقل في البلاد . . . » « 1 » . فقصد دمشق أوّلا وأقام فيها ، وما لبث أن انتقل إلى بيت المقدس فالحجاز . ثمّ أخذ يرتحل ما بين دمشق وطوس ، إلى أن استقرّ في بغداد مجدّدا . فعقد فيها مجالس علميّة مختلفة متحدّثا عن كتابه : ( إحياء علوم الدين ) . واستبدّت رغبة العودة إلى الأهل والديار ، فعاد إلى أسرته معتزلا الحياة الاجتماعيّة . لكنّ الوزير

--> ( 1 ) بروكلمان ، كارل ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، ترجمة فارس والبعلبكيّ ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1968 ، ص 275 .