أبو حامد الغزالي
14
محك النظر
وهذه الصورة تجعل العقول المثقفة يقظة وخائفة معا . ولعلّ خوفها يتجلّى في التقرب من السلاطين والوزراء والأمراء . ويقظتها تتبدّى من خلال الكثرة الوفيرة من الإنجاز التأليفي في الشرعيات واللغويات والعقليات ، ولا سيما أن الصراع بين التيارات والمذاهب أحمى وطيس الحجاج وشدّ من أزر الأدلة والدفاع ، فغزر العطاء وتشعّب في كل ميدان . وما لبث أن كدّر هذا السير المتنامي في التوسع السياسي والحضاري جمع من الإسماعيلية أتباع الحسن بن الصباح ، ولا سيما أنهم اعتمدوا أسلوب الاغتيال السياسي وإرهاب الحكام والعقول ، وقد ذهب ضحيتها نظام الملك نفسه عام 485 ه « 1 » . والذي شكل عقل السلطان والسلطنة . ثم نخر النزاع على الحكم عظام الأسرة السلجوقية ، وأصاب فيما أصاب عائلة الوزراء من أولاد نظام الملك ، وذلك بالوشايات تارة والاقتتال طورا ، كما حدث بين فخر الملك ومؤيّد الملك ابني نظام الملك . وفي العام 498 ه تجزأت الدولة السلجوقية بين سنجر ومحمد ثم استتب الأمر لمحمد لكن ما لبث أن توفي عام 511 ه فعاد الصراع بين سنجر وابن محمد السلطان محمود وتحاربا قرب ساوة . وهكذا استمر الصراع بين السلاطين يسيطر على ساحة المنطقة طوال تلك الفترة .
--> ( 1 ) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، حوادث 485 ه .