أبو حامد الغزالي
108
محك النظر
الغلط ، وهذه قضية يظن أنها صادقة بالإطلاق وليس كذلك ، بل الصادق أن قول الواحد المنفرد بقوله يحتمل الغلط والجمع يخرجه عن الانفراد ، وكل واحد لا يوجب قوله العلم بشرط أن لا يكون معه الآخرون ، فإذا اجتمعوا بطل هذا الشرط . وهذه من المثارات العظيمة الغلط وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة يطول إحصاؤها ولا ينبغي أن تتّخذ مقدمات القياس اليقيني منها البتّة ، وأكثر أقيسة الجدليين من المتكلمين والفقهاء في مجادلاتهم وتصانيفهم مؤلّفة من مقدمات مشهورة فيما بينهم ، سلّموها لمجرد الشهرة وذهلوا عن سببها . ولذلك نرى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيّرون فيها وتتخبط عقولهم في تنقيحها . فإن قلت فيما أدرك الفرق بين المشهور والصادق فاعرض قول القائل الصدق جميل والكذب قبيح على العقل الأولي الفطري الموجب للأوليات ، وقد رانك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع ولم تؤدّب باصطلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ وأب ومرشد وكلّف نفسك أن تشكك فيه ، فإنك تقدر عليه وتراه متأتيا ، وإنما الذي يعسر عليك هذه التقريرات . فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا تقدير كل حالة أنت منفك عنها في الحال . ولكن إذا تحدّقت فيه أمكنك التشكّك ، ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا بل لا يتأتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلا وهو كاذب وهمي ، ولكن فطرة الوهم تقتضيه والآخر تقتضيه فطرة العقل . فأما كون الكذب قبيحا فلا تقضي به لا فطرة الوهم ولا فطرة العقل بل ما ألفه الإنسان من العادات والأخلاق والاصطلاحات ، وهذه أيضا مغاصة مظلمة يجب التحرز عنها . وقلّ من لا يتغير بهذه المقدمات ولا تلتبس عليه باليقينيات ، لا سيما في تضاعيف الأقيسة مهما كثرت المراتب والمقدمات . وهذا القدر كاف في المقدمات التي هي جاملة للنظم والترتيب والتأليف . والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية ولا تصلح لغيرها ولنختم هذا في المقاصد .