أبو حامد الغزالي

105

محك النظر

بشبكة البصر وسائر الحواس ، ولذلك قرن اللّه السمع والبصر بالفؤاد في القرآن . الخامس المعلومات بالتواتر : كعلمنا بوجود مكة ووجود الشافعي وبعدد الصلاة الخمس ، بل كعلمنا بأن مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي وغيره . فإن هذه أمور وراء المحسوس ، إذ ليس للحس إلا أن يسمع صوتا ، المخبر بوجود مكة ، فأما الحكم بصدقه فهو للعقل وآلته السمع ولا مجرد السمع بل تكرير السماع . ولا ينحصر العدد الموجب للعلم في عدد ، ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط بل هو لتكرر التجربة ، فإن كل مرة فيها شهادة أخرى تنضم إلى الآخر فلا يدري متى ينقلب الظن الحاصل منه يقينا . فإن ترقي الظن فيه وفي التواتر خفي التدريج لا تشعر به النفس البتة ، كما أن نمو الشعر خفي التدريج لا يشعر بوقته ولكن بعد زمان يدرك التفاوت فكذا هذه العلوم ، فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة للبراهين التي تطيب منها النفس وما بعده ليس كذلك . السادس الوهميات : وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا إلى جهته ، وأن موجودا لا متصلا بالعالم ولا منفصلا ولا خارجا ولا داخلا محال . فإن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال ، وهو عمل قوة في التجويف الآخر من الدماغ تسمّى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات التي ألفها ، فليس في طبعها إلا النبوة عنها وإنكارها ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء . وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان ، والأولى منهما ربما وقع كل الأنس بتكذيبها لكثرة ممارستك الأدلة العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة ، والثانية ربما لم تأنس بتكذيبها لقلة ممارستك الأدلة الموجبة له . وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره الوهم من نفي الخلا والملا غير ممكن فإنك إن أثبت خلاء فما أراك تجعله قديما . فإن الخلا ينعدم بالملا والقديم لا ينعدم ، ولأنك تعرف أن لا قديم سوى اللّه وصفاته وإذا جعلته محدثا لزمك أن يكون متناهيا فينقطع ، وإذا جاوزت المنقطع كنت معترفا بأنه ليس بعده