يعقوب بن يوسف الكندي
15
رسائل الكندى الفلسفية
ومن جهة أخرى فإن من النقطة المفروضة المعلومة إلى ما لا نهاية له قدرا من الزمان معلوما متناهيا من آخره ؛ ولكنه غير متناه من أوله ، فهو إذن متناه لا متناه ، وهذا تناقض . فإذا ثبت تناهى الزمان ، فإنه بما أنه لا جرم بغير مدّة ، فوجود الجرم ذو نهاية ؛ فيمتنع أن يكون قديما . وهذا خلاف لتفكير أرسطو على خط مستقيم ، لأن أرسطو يبنى على قدم الزمان قدم الحركة وقدم المتحرك ، أعنى جرم العالم . وبعد أن يثبت الكندي وجوب تناهى الزمان ، يحاول أن يثبت أنه من المستحيل أن يكون قد مضى زمان لا نهاية له أو أن يكون سيأتي زمان لا نهاية له ، وهو يبنى دليله على ما تقدم : فإنه إذا كان من الزمان الماضي ، الذي لا نهاية له ، إلى نقطة محدودة زمان محدود ، استحال أن يكون لا نهاية له ، مهما زيد فيه ، خصوصا لأن كل نقطة من الزمان حد بين ماض ومستقبل ، وهو حد بين محدودين . * * * بعد هذا يعالج الكندي في « الفن الثالث » مشكلة : هل يمكن أن يكون الشئ علة كون ذاته ؟ وهو يصل إلى إثبات أن هذه القضية مستحيلة ، وذلك من طريق حصر أربعة وجوه من الاحتمالات ، يبنيها على تمايز اعتباري بين الشئ وذاته ، لأن الشئ بحسب الفرض سيكون علة وجود ذاته ؛ وهو يبين أننا في كل واحد من الاحتمالات الأربعة سننتهى إلى تناقض . * * * ثم يذكر فيلسوفنا أن كل لفظ لا يخلو من أن يكون له معنى أو لا يكون ويقرر أن ما لا معنى له فليس وراءه موضوع يطلب بالبحث ؛ فهو خارج عن موضوع الفلسفة ، لأن الفلسفة إنما تقصد بالبحث ما له موضوع يطلب .