صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
93
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
وأشدها وأولاها بالوحدة وحدة الإله تعالى جده ثم العقل ثم النفوس ثم الكواكب والأفلاك ثم التام من كل شيء ينقسم أولى بالوحدة من الناقص قوله والواحد قد يطابق الموجود في أن الواحد يقال على كل واحد من المقولات كالموجود إلى آخره الأولى أن يقال إن الواحد يطابق الموجود في المصداق ويخالفه في المفهوم فكلما يصدق عليه الموجود يصدق عليه الواحد سواء كان من المقولات العشرة ولا يكون فإن الواجب تعالى موجود وواحد وكذا الفصول البسيطة ونفس المقولات فإنها ليست من المقولات وكذا نفس الوحدة ونفس الوجود كل ذلك مقول عليها واحد وموجود فالتخصيص بالمقولات وإيراد لفظة قد ليس بشيء وسيظهر لك أن الوحدة والوجود طبيعة واحدة فضلا عن أن يكون موضوع الوحدة وموضوع الوجود أمرا واحدا وإن كان مفهوم الواحد غير مفهوم الوجود وأما أنه لا يدل شيء منهما على جوهر شيء من الأشياء أي على ماهيته فهو كذلك فكما أن وجود كل شيء ذي ماهية غير ماهيته إذ الماهية أمر يعرضه الكلية دون الوجود فكذلك وحدة كل شيء غير ماهيته [ الفصل الثالث في تحقيق الوحدة والكثرة ] [ في أن العدد عرض ] قوله في تحقيق الواحد والكثير إبانة أن العدد الذي يصعب الآن علينا تحقيقه ماهية الواحد وذلك أنا إذا قلنا الواحد لا ينقسم فقد قلنا إن الواحد هو الذي لا يتكثر إلى آخره قد سبق أن للوحدة أسوة في أكثر الأحكام بالوجود فاعلم أن من المضاهاة الواقعة بين الواحد والموجود أنه لا يمكن تعريف الواحد لأنه من الأمور العامة لكل شيء كالموجود فلا يمكن تعريفه إلا بما يوجب الدور أو تعريف الشيء بنفسه فإذا قيل الواحد ما لا ينقسم من الجهة التي هو واحد فهو مشتمل على تعريف الشيء بنفسه وعلى الدور أيضا لأن الانقسام المأخوذ فيه معناه معنى الكثرة وأما الكثرة فبالواجب أن يعرف بالوحدة لأن الوحدة مبدؤها فإن قلت الوحدات أجزاء خارجية للكثرة وليس من شرط التعريف أن يقع بالأجزاء الخارجية قلنا إن العدد والكثرة من الأمور التي صورتها عين مادتها يعني لا صورة لها إلا الأجزاء المادية الخارجية فلا يمكن تحديدها بوضع التحديد إلا بتلك الأجزاء فيقال إنها المجتمعة من الوحدات أو الآحاد فصارت الوحدة مأخوذة في حدها فعرفنا الوحدة بالوحدة وهذا أيضا تعريف الكثرة بالاجتماع الذي كأنه هو نفس مفهوم الكثرة وهو مأخوذ صريحا وضمنا في لفظ الاجتماع ولفظ الوحدات أو الآحاد التي هي جميع الوحدة فقد عرفت الكثرة بالكثرة وبالوحدة التي لا تعرف إلا بالكثرة فاشتمل تعريفها كتعريف مقابلها على الفسادين المذكورين وقس على هذا سائر ما قيل في تعريف كل منهما فقد عسر علينا تعريف الحقيقي في هذا الباب غاية التعسر وهذه الصعوبة والعسرة لأجل أن تصورهما من الأوليات المستغنية عن التعريف كسائر العلوم المتعارفة ولكن هاهنا دقيقة يجب أن لا يغفل عنها وهي أن الكثرة أعرف من الوحدة عند الخيال والوحدة أعرف منها عند العقل فكل منهما وإن كانت من الأشياء المرتسمة في الذهن بديا لكن الكثرة مرتسمة في الخيال لأن ما يرتسم في الخيال محسوس والمحسوس بما هو محسوس كثير بالعدد والوحدة مرتسمة في العقل لأن المرتسم فيه هي المعقولات والمعقول بما هو معقول ليس كثيرا بالعدد والمرتسم في الخيال لنا قبل المرتسم في العقل زمانا لأن الإحساس فينا قبل التعقل ولذلك قيل من فقد حسا فقد علما وهذا لا ينافي كون الوحدة والكثرة كل منهما من الأمور التي نتصورها بديا أي أولا لأن معناه أن شيئا منهما لا يحتاج إلى مبدأ تصوري ذاتي وحيث يكون الكثرة متخيلة أولا أي بحسب الزمان فلنا أن نعرف الكثرة بالوحدة تعريفا حقيقيا علميا بأن نأخذ الوحدة متصورة بذاتها كسائر الأوليات وأن نعرف الوحدة بالكثرة تعريفا غير حقيقي بل من باب التنبيه والإخطار بالبال ويستعمل المدرك من الخيال ليشير إلى الموجود في عقلنا الذي كنا في الذهول عنه غير متصورين على وجه الخطور في ذهننا وقد علمت أن مبدئية التخيل والإحساس للأمور المعقولة ليست مبدئية بالحقيقة وبالجملة كسائر التعريفات اللفظية التي فائدتها الإحضار لما في القوة الخازنة للمعقولات وتعيين واحد منها لالتفات النفس إليه فإذا قلنا إن الوحدة هي الشيء الذي ليست فيه كثرة أو الذي لا ينقسم فقد أشعرنا بأن المراد بهذه العبارة الشيء المعقول عندنا أوليا هو الذي يقابل المعنى الآخر أوليس هو أو الذي هو يقابله هذا المعنى الآخر أو سلبه فيقع التنبيه عليه بمقابله وبهذا الوجه قيل الأشياء تعرف بأضدادها ومقابلاتها ففي الأول كأنه تعريف عقلي لمعنى خيالي وفي الثاني تنبيه على معنى عقلي بمعنى خيالي فلا يلزم الدور على هذه الطريقة ثم الشيخ عاد إلى التعجب ممن يحد العدد فيقول إن العدد كثيرة مؤلفة من واحدات أو آحاد وذلك لأن الكثرة نفس العدد لما مرت الإشارة إليه أن العدد