صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

89

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

والوحدة بالاتصال إما معتبرة مع المقدار فقط وإما طبيعة أخرى مثل أن يكون ماء أو هواء ويعرض الواحد بالاتصال أن يكون واحدا في الموضوع إلى آخره قد علمت أن الوحدة في كل شيء هي عندنا وجوده وقد مر أن الاتصال أعني المقدار نوع من الوحدة والمقدار مقدار شيء لا محالة كالماء والهواء فبالحقيقة المقدار الجسماني هو وحدة الجسم ووجوده والسطح إنما يحصل من انتهائه وانقطاعه وكذا الخط إنما يحصل من انقطاع السطح وكذلك حكم العدد في أنه عدد لشيء وأنه مؤلف من وحدات هي غير زائدة على وجودات الأشياء بل على ماهياتها في اعتبار العقل فإذا تقرر هذا فنقول لا بد أن يكون مع الاتصال ماهية أخرى مثل ماء أو هواء أو غيرهما ليكون وحدتها الاتصالية نحو وجودها ولا بد أن يكون موضوع الوحدة الاتصالية موضوعا غير مؤلف من ماهيات متخالفة خلافا لبعض المدققين حيث تمسك بعبارة بهمنيار في التحصيل وهي أن كلما وحدته بالفعل كثرته بالقوة فزعم أن أعضاء الفرس مثلا كلها متحصلة موجودة بوجود واحد والمراد مما نقله منه على تسليم حقيقته هو أن ما له وحدة بالفعل تكون الكثرة التي تقابل تلك الوحدة هي بالقوة وهاهنا أي المؤلف من متخالفة الماهية ليست له وحدة بالاتصال بل لو كانت لكانت من جهة أخرى نعم لو كان مراد هذا المدقق أن حقيقة الفرسية مثلا غير متقومة من الأبعاض البدنية كالعظم واللحم وغيرهما لكان له وجه كما سيأتي وبالجملة موضوع الوحدة الاتصالية غير مختلف ولا متألف من حقائق مختلفة لما ذكرنا من أن متصلية الشيء هي وجوده والاتحاد في الوجود يوجب الاتحاد في الماهية بالفعل كما أن الاختلاف في الماهية يستدعي الاختلاف في الوجود فإذن كلما هو واحد بالاتصال فهو واحد بالموضوع سواء أريد بذلك الاتصال نفس المقدار أو الطبيعة المقدرة كالماء والهواء فيكون كل متصل واحدا بالموضوع أو موضوعا واحدا والصورة الواحدة أيضا يصح أن يقال إنها واحدة بالموضوع أعني بالمادة وكذا يلزم الواحد بالاتصال أن يكون واحدا أيضا في الطبيعة لكن هاهنا شبهة استصعبوا حل عقدتها وهي أن الأجزاء الوهمية للمتصل ليست معدومة صرفة إذ العقل بمعونة الوهم يحلله إليها ولا يمكن تحليل الموجود إلى معدومات صرفة كيف وكثيرا ما يصير موضوعات لموجبات صادقة كقولنا بعض هذا المتصل حار وبعضها بارد أو نصفه ذراع أو مواز لكذا والحكم الإيجابي يستدعي وجود الموضوع فإذا إذا كانت أجزاء المتصل الواحد موجودة بوجود واحد وليس الحمل مبناه إلا الاتحاد في الوجود فاتحادها في الوجود يوجب صحة حمل بعضها على بعض وعلى الكل وحمل الكل على البعض بأن يقال هذا الذراع نصفه أو ثلثه أو نصف الذراع ذراع أو نصفه ثلثه وقد أجيب عنها بأجوبة سخيفة يطول ذكرها من غير فائدة وتفصى عن هذه الشبهة بعض أجلة المتأخرين بأن الحمل مطلقا وإن كان هو الاتحاد في الوجود لكن التعارف الخاصي خصه بذلك مع عدم التمايز في الوضع كما خصه من بين مطلق الاتحاد بالاتحاد في الوجود ويقتضي اثنينية ما إذ لو كانت الوحدة الصرفة لم يتحقق الحمل أو الكثرة الصرفة لم يصدق وكما أن الوحدة على جهات شتى كالنوعية والجنسية فكذلك الحمل حتى إنه كان يجري في جميع أقسامها إلا أن أشهر أفراده هو الاتحاد في الوجود إذ لا يقال في المتعارف زيد عمرو من حيث اشتراكهما في النوع والثلج هو الجص من حيث اشتراكهما في عرض هو البياض فلذلك قبل الحمل هو الاتحاد في الوجود انتهى وأنت تعلم أن التخصيص لا يناسب طور الحكمة ثم إنه ليس الكلام في إطلاق لفظ الحمل بحسب عرفهم الخاص ليجوز فيه تخصيص آخر بل المراد أن الحمل أعني هو هو عبارة عن الاتحاد في الهوية والوجود وليس مبنى هذا التخصيص على التعارف في اللفظ بل على كون سائر أنواع الوحدة غير صالحة لصحة الحمل إلا الاتحاد في الوجود إذ الهوية عين الوجود والهوية عين الاتحاد في الوجود ثم العجب كل العجب في أنه استفاد من قولهم أن زيدا وعمروا واحد في النوع وأن الثلج والجص واحد في العرض وأن البياض والحلاوة واحد في الموضوع أنه صح في الواقع أن يقال إن زيدا عمرو والجص ثلج والبياض حلاوة لكن العرف يمنع عن ذلك وليت شعري كيف يسوغ عند العقل أن يقال لمتباينات في الوجود بمجرد أن لها جهة من الوحدة خارجة عن ذواتها أن يقال هوية هذا هوية ذاك أو يقال هذا بعينه ذاك والحاصل أن الهوية هو معنى حقيقي من بين المعاني