صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

76

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

مفيدا لوجوده فالمادة لا يكون مفيدا لصورتها وأيضا كل ما هو سبب لذاته لوجود شيء لكل سببا له دائما من غير استعداد فلم يكن المادة مستعدة وهي مستعدة هذا خلف وأما الوجه الثاني فهو أن المادة في نفسها أمر بالقوة والصورة أمر بالفعل ومن المحال أن يصير المعدوم علة لوجود شيء إلا أن يصير موجودا من قبل ذلك الشيء فمحال أن يصير المادة علة لوجود الصورة إلا أن تصير مصورة بصورة أخرى قبل هذه الصورة سواء كانت القبلية بالزمان كما في العلل المعدة أو بالذات كما في العلل الموجبة وهي التي لا يكون موجودة إلا ويكون علة للآخر ولا يكون موجودة إلا ويتقوم بها الآخر ويوجد بالذات من جهتها وهذا معنى لتقدم بالذات فإن معناه أن يكون وجود ذات المتقدم وحيثية كونه متقدما وعلة شيئا واحدا وكذا وجود المتأخر وحيثية كونه متأخرا ومعلولا شيئا واحدا سواء كانت العلية لازمة لذاتها غير منفكة عنها أو عارضة لها منفكة عنها وسواء كانت شيء بالقياس إلى ما يقارن ذاته ذات ذلك الشيء أو بالقياس إلى ما يباين ذاته ذاته فإن كلا القسمين مما هو جائز في الوجود إذ من الأسباب ما هو سبب لما يقارنه ما يوجد عنه يلابسه غير مباين عنه ومنها ما هو سبب لما يباينه وما يوجد عنه غير ملابس له فإن العقل الصحيح والذهن المستقيم لا يأبى ولا يشمئز عن تجويز القسمين كليهما ثم الفحص يوجبهما والبرهان يقتضيهما جميعا فإن من المبادي ما هو سبب لما يباينه كالباري للأجسام ومنها ما هو سبب لما يقارنه الموضوع للعرض ومن هذا القبيل إيجاب الصورة للمادة والفصل للجنس وإنما ذكر الشيخ هذين التعميمين لأن كثيرا من الأوهام العامية ذهبت إلى أن الوجود زائد على الواجب تعالى والماهية علة للوجود قياسا على لوازم الماهيات فجوزوا أن الماهية لا بشرط الوجود علة لوجود نفسها ولم يجوزوا ذلك في غير وجودها بل اخترطوا الوجود للعلة قبل الإيجاد إذا كانت علة لغيرها وأيضا منهم من يزعم أن السبب للشيء هو الذي يكون متقدما عليه بالزمان وهو الذي لا يكون السببية لازمة له وهذا مذهب أكثر المتكلمين فإنهم زعموا أن مفهوم كون الشيء فاعلا يستدعي سبق الزمان عليه لم يكن فاعلا ثم سنح له قصد وإرادة من جهتها صدر عنه المفعول حتى إنهم يتحاشون عن كون النار فاعلة للحرارة والماء فاعلة للبرودة لأنهما لا ينفكان عنهما وكذا ربما يتوهم أن سبب الشيء لا بد أن يباينه في الوجود دون أن يقارنه فلا يسمون مثل الأربعة للزوجية أو المثلث للخطوط فاعلا أو سببا لها بل موضوعا بها فقط فالغرض من هذا التعميم والذي قبله أن يظهر ويتبين أن استحالة كون المادة علة للصورة ليس من جهة أنه لو كانت علة لزم أن يكون سابقة عليها في الوجود أو لزم أن يكون علة الشيء مقارنة لمعلوله فإن شيئا من هذه الأمور الأربعة المذكورة في الترديدين لا ينافي السببية إذ جمع هذه الأقسام مما هو واقع في باب الأسباب للأشياء بل الذي أحال كون المادة سببا للصورة وهو أن ليست لها ذات بالفعل قبل الصورة لا بالذات ولا بالزمان والسبب للشيء لا بد أن يكون له ذات بالفعل متقدما على ذلك الشيء ضربا من التقدم ذاتيا كان أو زمانية فكل ما يكون فعليته بشيء استحال أن يكون علة له وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه إذ الشيء ما لم يكن بالفعل لم يصر سببا لشيء فلو كانت فعليته بذلك الشيء لزم تقدم فعليته على فعليته هذا محال فكون الهيولى سببا للصورة محال وهذه المحالية ليست بناؤها على أن ذات الهيولى ملتزمة مقترنة للصورة إذ قد علمت أن الالتزام والاقتران لا ينافيان للسببية فرب سبب هو ملتزم لمعلوله كالعقل الأول للعقل الثاني ورب سبب هو مقترن له معلوله كالجسم للبياض ورب سبب اجتمع فيه الصفتان كالأربعة للزوج والنار للحرارة بل الامتناع هاهنا من جهة أن ذات السبب يستحيل وجوده إلا بالمسبب فإن الهيولى ممتنعة الوجود بالفعل إلا بالصورة لا قبل الصورة والفرق بين هذين الأمرين حاصل إذ كون الشيء مقارنا وجوده لوجود شيء لا يأبى كونه متقدما عليه كالأمثلة المذكورة وأما الوجه الثالث فبيانه يستدعي تمهيد مقدمة وهو أن الجسمية وإن كانت باعتبار ذاتها مجردة في الذهن عما عداها ومأخوذة بنفسها بالاعتبار الذي هو بحسبه جزء للأجسام الطبيعية نوعا محصلا غير مختلفة الأفراد إلا أنها من جهة ماهيتها الأصلية من غير شرط التجرد واللاتجرد والإطلاق والتعين وبحسب وجودها في الأعيان طبيعة جنسية غير مجرد عن الخصوصيات المختلفة التي بها صارت أنواعا مختلفة وبالجملة لا يمكن أن يوجد في الخارج شيء هو جسم فقط بل لا بد أن يكون فلكا أو نارا أو هواء أو إنسانا أو فرسا فجعل الشيء جسما هو بعينه جعله فلكا أو عنصرا أو إنسانا أو غير ذلك بل جعل الجسمية ووجودها تابعان لجعل كل من المخصصات الصورية التي بها يصير أنواعا بحسب أحد