صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

73

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

جنسه وقد علمت أيضا أن الجنس موجود بوجود الفصل وإن كانا متغايرين في المفهوم عند التحليل وعلمت أيضا أن الجنس والمركبات متحد بالمادة الخارجية في الوجود والفصل متحد بالصورة فيه فإذن لزم أن يكون لفصول الجواهر جواهر فيكون مبادي تلك الفصول أعني الصور النوعية أيضا جواهر فإذا تقرر هذا وتحقق فلنشرع في الجواب عما يرد على المنهجين الأخيرين فنقول أما قول المستدل في أحد المنهجين إن كل ما يتغير بتغيره جواب ما هو فهو جوهر وإلا فهو عرض ليس مراده على الإطلاق وفي كل موضع طبيعي تحت جنس الجوهر له وحدة طبيعة وله حد معلوم كالماء والهواء وغيرها وله صفة خاصة معلومة ولم يعلم كونها فصلا أو خاصة فتلك القاعدة يعرف كونها من أي القبيلتين فيستدل بها على كون فصول الأنواع الطبيعية للأجسام ليست هي المعاني المأخوذة من الأعراض القائمة بها كما هي عند الأقدمين فإن النار مثلا عندهم عبارة عن الجوهر المقداري مع الحرارة المحسوسة واليبوسة وغيرها من مجموع الأعراض القائمة بها وكذا الماء والهواء والحيوان والنبات والجماد بل من أمور أخرى جوهرية إذ هذه الأعراض وما بإزائها من المشتقات المحمولة مما لا يتبدل بفرض تبدلها أو زوالها جواب ما هو فيعلم أن نارية النار ومائية الماء مثلا ليست بهذه الأعراض المحسوسة التي عندهم مبادي الفصول وأما النقض بالسيف والسرير ونحوهما فليست هي بأنواع طبيعية وما يشبه بالفصول فيها ليست من الأمور الطبيعية التي توجهت إليها الطبيعة واستكملت بها المادة بخلاف كل من العناصر والدر والياقوت والإنسان والفرس والشجر فإن له عللا أربع كلها ذاتية ثنتان منها مقومتان للوجود وهما الفاعل والغاية خارجان عن عالم التعمل والاتفاق وثنتان منها مقومتان للماهية وهما داخلتان في ذاته تلبست إحداهما بالأخرى في الوجود ولكل منهما حاجة إلى الأخرى بوجه كما ستعلم في الفصل الآتي ولها فصول ذاتية مأخوذة من أمور خاصة طبيعية فهي المسماة بالصور فالصورة الطبيعية هي جواهر وأما قول المثبتين للصورة في المنهج الأخير أن جزء الجوهر لا بد أن يكون جوهرا فهو أيضا معناه أن كل ما علم على الإجمال أنه جوهر وله وحدة طبيعية فجزؤه لا محالة جوهر لأنه أقدم منه في الوجود والعلم بكون ماهية الشيء الواحد كالإنسان مثلا جوهر لا يتوقف على العلم بجميع أجزائه الخارجية كما أن العلم بجوهرية الجسم الطبيعي وكونه قابل أبعاد ثلاثة لا يتوقف على العلم بأنه مركب في الخارج من الهيولى والصورة وأنهما جوهران إذ وقع الاختلاف فيهما مع الاتفاق على حده المعلوم وجوهريته فيقول المعترض إن العلم بجوهرية الشيء لا يحصل إلا بعد العلم بجوهرية كل جزء من أجزائه غير صحيح وكذا قوله جزء الجوهر إنما يكون جوهرا إذا كان ذلك الجوهر جوهرا من جميع الوجوه لا حاصل له إذ جوهرية الشيء لا يكون بوجه دون وجه لأن الجوهر جنس لما تحته من الأنواع المحصلة ومقوم له ومقوم الشيء لا ينفك عنه في اعتبار من اعتبار ذاته وحيثية من حيثياته فالجوهر جوهر بأي اعتبار أخذ وأية حيثية أخذت له وأما تمثيله بالجسم الحار أو الأبيض فقد علمت الحال فيه فحمل الجوهر على أحد جزأيه بالذات وحمله على المجموع ليس بالذات إذ ليس مندرجا تحته والكلام فيما هو جوهر بالذات وكل ما هو جوهر بالذات أي المستغني عن الموضوع لذاته لا بد أن يكون أيضا جوهرا ومستغنيا عنه فإن قوام الشيء بجزأيه ووجوده ووجوبه بعد وجود الجزء ووجوبه لأنه معلول وجهات الفقر يكون في المعلول أكثر منها في العلة فافتقار العلة إلى شيء يوجب افتقار المعلول إليه دون العكس فكيف يكون المركب مستغنيا عن الموضوع والجزء مفتقر إليه وأما تجويز كون جزء الجوهر قائما بجزئه الآخر الجوهري فهو أيضا من مجازفات من أهمل شرائط الوحدة الطبيعية في الأنواع المحصلة واشتبه عليه حال التأحيد الطبيعي بين المادة والصورة بحسب فعل الطبيعة بالتأليف الاعتباري بين الموضوع والعرض فإن أحد الجزءين إذا كان مستغني القوام عما يقوم به فيكون تام النوعية غير مفتقر إلى ما يضمه بعد وجود الذات فلا يحصل منه وما يضمه في مرتبة أخيرة ذاتا أحدية مندرجة تحت مقولة الجوهر بل المجموع شيئان جوهر وعرض لا شيء واحد جوهر أو عرض هذا ما عندي على طريقة الحكمة المشهورة كلمة عرشية إن الذي هدانا الله بنوره وأفاض على قلبنا بفضله هو أن الصورة النوعية ليست بجواهر ولا بأعراض هي وجودات خاصة الجسمانيات النوعية والوجود ليس بجوهر في ذاته ولا عرض بل لاتحاده بالماهية يوصف بأحدهما وذلك لما أشير إليه من أن فصول الجواهر متحدة مع الصورة في الجنس ليس بجنس للفصل المقسم ولكن متحدة معه في الوجود إلا أن للعقل أن يفرق بينهما بحسب المعنى والمفهوم فيجد أن معنى أحدهما لازم أعم للآخر والآخر عارض أخص له فإذا لم يكن فصل الجوهر المقسم جوهرا في ذاته لم يكن عرضا أيضا لما عرفت من استحالة تقوم الجوهر بالعرض كيف والفصل قوي تحصلا من الجنس ولما كانت حقيقة الفصل هي بعينها الصورة الخارجية فوجب أن لا يكون تلك الصورة أيضا تحت مقولة الجوهر بالذات