صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

61

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

رجوعا إلى الحجة السابقة وإن قلتم إنه إذا كانت القوة قائمة بالاتصال وهو شيء متحصل لكان شيء واحد بالقوة وبالفعل معا وهو محال قلنا الصحيح امتناع أن يكون شيء واحد من جهة واحدة قوة فعلا وأما إذا كان شيء واحد بالفعل بالقياس إلى شيء وبالقوة بالقياس إلى شيء آخر فامتناعه غير ممنوع فالفعل والقوة يجوز أن يجتمعا في ذات واحدة بالنسبة إلى شيئين بأن يكون جهة الفعلية ذاته وجهة القوم عدم شيء آخر عنه ولا منافاة بين وجود شيء وعدم أشياء كثيرة عنه فالغلط هاهنا من إهمال الحيثيات ومن استعمال منشإ الاتصاف بشيء موضع الحامل له ولا يلزم أن يكون الحامل لمعنى القوة والإمكان هو بعينه منشأ القوة والإمكان والجواب أن كل صفة واقعية سواء كانت لها صورة وجودية ولا بد لها من منشإ لحصولها ومصداق للحكم بها ومطابق لحملها وذلك المنشأ والمنتزع منه هو بحسب أن يكون في مرتبة ذاته موصوفا بتلك الصفة بل يكون هو بعينه بحيث يكون نفسها ثم إن كثيرا من الأشياء تجد في ذاتها عدم أشياء كثيرة فإن زيدا مثلا في ذاته بحيث تسلب عنه الشجرية والفلكية وغيرهما فلا بد أن يكون في ذاته حيثية عدمية غير حيثية كونه زيدا لأن زيدية زيد صفة وجودية يمكن تعقلها من غير تعقل سلب شيء من الأشياء ففيه لا محالة تركيب من وجود وعدم وكذلك الجسم بما هو جسم له في ذاته سلب كثير من الأشياء وليست الجسمية بعينها معناها سلب السواد والحركة وغيرهما وإلا لزم من تعقلها تعقل تلك السلوب وليس الأمر كذلك فإذن كل من هذه الموجودات وكذا الجسم بما هو جسم مركب في الخارج من الأمرين أحدهما ما به هو موجود بالفعل وهو صورة ذاته والآخر ما به هو أمر بالقوة وهو مادته وجهة نقصه وقصوره لكن يجب أن يعلم هاهنا أنه فرق بين العدم المحض وبين العدم الواقعي الذي له حظ من الثبوت كالعمى والجهل والكون ونظائره مما له مصداق في الخارج فهذه الأعدام مما لا بد فيها من قابل فيلزم بحسبها تركيب الموضوعات من مادة وصورة وهي التي من شأن موضوعاتها أن يخرج من القوة إلى الفعل وأما سائر الأعدام الذهنية التي ليست لها منشأ انتزاع وتخصيص فلا يوجب شيء منها التركيب الخارجي بل الذهني ولهذا قال الشيخ كل ممكن زوج تركيبي والبسائط الحقة مختصة بواجب الوجود لأنه محض الوجود بلا شوب عدم فهو كل الوجود وكله الوجود البحت الثاني أن أصل الحجة منقوض بوجود النفس الناطقة المجردة إنسانية كانت أو فلكية لأنها من حيث ذاتها جوهر صوري ولها قوة قبول الكمالات والتعقلات وتنوع الإرادات بالتصورات فكبرى القياس الأول وهو قولهم كل ما هو بالفعل لا يكون بالقوة منسوخة بقياس من الشكل الثالث وهو أن النفس الإنسانية مثلا أمر بالفعل من جهة ذاتها وكل نفس إنسانية لها قوة أمر فينتج بعض ما هو أمر بالفعل يكون له قوة أمر ما وهو نقيض تلك الكبرى لأنها في قوة قولنا لا شيء مما هو بالفعل بالقوة والجواب أن النفس بما هي نفس متعلقة الوجود بالمادة الجسمانية بل هي عندنا مادية الحدوث مجردة البقاء إذا كملت واتصلت بالعقل فحيثية كونها بالفعل إنما هي من قبل ذاتها المستندة إلى مبدئها الفعال وحيثية كونها بالقوة إنما هي من جهة تعلق لوازمها وآثارها بالمادة البدنية فمنشأ الحيثيتين شيئان متخالفان أحدهما المبدأ العقلي والآخر الجوهر البدني والحق أن جميع جهات الفعلية يرجع إلى واجب الوجود وجميع جهات القوة يرجع إلى الهيولى الأولى ومنبعها الإمكان الذاتي كما سيعلم وهي منبع الشرور والآفات لأن كلها عدميات والقوى والأعدام راجعة إلى الهيولى البحت الثالث النقض بوجود العقول فإنها تفعل فيما تحتها وتقبيل الوجود عما فوقها فذاتها مركبة في الخارج عن أمرين بأحدهما تفعل وبالآخر تنفعل والجواب أن القبول هناك ليس مقابل الفعل فإن الذي يقابل الفعل هو القبول بمعنى الاستعداد الذي لا يجامع الفعل ففاعلية العقول بنفس وجوداتها الفائضة عليها من المبدإ الأعلى من غير استعداد فالمغالطة هاهنا باشتراك الاسم البحت الرابع النقض بوجود الهيولى في نفسها وهو الذي يذكره الشيخ قال ولسائل أن يسأل فيقول فالهيولى أيضا مركبة وذلك لأنها في نفسها هيولى وجوهر بالفعل يمكن تقرير هذا البحث على وجه يكون معارضة على كبرى الحجة المذكورة بأن قولكم كلما هو بالفعل لا يكون بالقوة معارض بقياس من الشكل الثالث وهو قولنا أن الهيولى بسيطة بالفعل وأن الهيولى فيه قوة قبول الأشياء ينتج فبعض ما هو بسيط بالفعل ففيه القوة وعلى وجه يكون نقصا تفصيليا وهو أنا لا نسلم أن كلما هو بالفعل لا يكون بالقوة وسند المنع هو وجود الهيولى ويمكن أن يكون نقضا إجماليا وهو الظاهر من كلام الشيخ معناه أن مقدماتكم لو صحت لأوجبت أن يكون الهيولى مركبة من الهيولى والصورة والتالي باطل فكذا المقدم أما بطلان اللازم فلأن الهيولى بسيطة وإلا نقل الكلام إلى هيولى الهيولى فيلزم إما التسلسل وهو باطل أو الانتهاء إلى هيولى بسيطة وهو المطلوب وأما بيان الملازمة فلأنها في نفسها جوهر موجود بالفعل وهي أيضا في نفسها مستعدة لحصول الأشياء فيها ففيها أمران بأحدهما بالفعل وبالآخر بالقوة فيكون