صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
58
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
لا بأنفسها بلى في شيء آخر هو المعنى بالهيولى وذلك لأن هذه الأبعاد المقدارية إما نفس الاتصالات إن كان المراد بالاتصال ما هو فصل الكم وإما أشياء عارضة للاتصال إن كان بالمعنى الذي هو فصل للجوهر فإنك قد علمت أن الاتصال بالمعنى الذي هو ليس من مقولة المضاف يطلق على معنيين أحدهما كون الشيء بحيث يتشارك أجزاؤه في حدود مشتركة وثانيهما كون الشيء بحيث يقبل الأبعاد على الإطلاق فإذا أطلق المتصل بالمعنى الأول على الصورة الجسمية كان اتصالها معنى عارضا لها وكانت تلك الأبعاد اتصالاتها وكانت الصورة قابلة لهذا الاتصال ومقابلة في ظاهر الأمر كما يظهر من تشكلات الشمعة فإذا أطلق عليه الاتصال بالمعنى الآخر الجوهري كانت متصلة بذاتها لا بأمر عارض وليست ذاته قابلة لهذا الاتصال ومقابلة إذ الشيء لا يكون قابلا لنفسه ولا لمقابل نفسه وعلى أي الوجهين ليست الأبعاد والكمية مما يعرض له الاتصال والانفصال إلا بالمعنى الإضافي دون المعنى الحقيقي لأنه إن كان المراد الاتصال الجوهري وكيف يعرض الجوهر للعرض وإن كان المراد الاتصال الكمي فكيف يعرض الكم لنفسه أو لمقابله فإن لفظ الأبعاد اسم لنفس الكميات الاتصالية لا للأمور التي معروضة للاتصال لأن تلك الأمور هي ذوات الأبعاد لا الأبعاد أنفسها وسيحقق الشيخ هذه المعاني في المقالة الثالثة وبالجملة فالاتصال والمتصل بذاته بأي المعنيين أريد يستحيل أن يبقى بعينه وقد عرض له الانفصال لأن الشيء لا يمكن أن يقبل مقابله كما لا يمكن أن يقبل نفسه فكل متصل بذاته إذا انفصل بطل وكذا كل اتصال بعد إذا انفصل بطل ذلك البعد وحصل متصلان آخران وكذا إذا حدث اتصال بين جسمين أعني الاتصال بالمعنى الحقيقي الذي هو إما فصل الجوهر أو فصل الكم لا المعنى العارض الذي هو من باب الإضافة كما بينه الشيخ في قاطيغورياس وقد نقلناه فيما مر فقد حدث متصل آخر وبعد آخر وبطل كل واحد من المتصلين والبعدين واللذين كانا قبل الاتصال بخاصيته أي بما يخص به من هوية ولازمة لا أنه بطل بالكلية بل لا بد أن يبقى منه شيء مشترك بينه وبين ما يحدث بعده منه لأنا نحكم بالبديهة أن ماء الجرة إذا صار في إناءين لم يعدم بالكلية بمجرد الاتصال وكذا تعلم أن مائي الإناءين إذا عاد إلى الجرة لم يعدما بالاتصال فإذن قد ثبت أن في الأجسام شيء غير الاتصال وغير المتصل بذاته هو موضوع للاتصال الجوهري ومقابله من الانفصال وكذا لما يعرض الاتصال الجوهري من المقادير المحدودة وذلك الشيء لا محالة جوهر لتوارد الأحوال عليه مع بقائه بحاله ولكونه محلا للجوهر المتصل بذاته ولا بد أن لا يكون أمرا متعينا بالاتصال ولا بلا اتصال ولا يعدم الانقسام والوحدة ولا بالانقسام والكثرة ولا بشيء من الصفات والأحوال المختصة بالأشياء المجردة والمادية ليمكن له أن يكون قابلا للأجسام وعوارض فإنه لو كان في ذاته موصوفا بصفات المفارقات فاستحال أن يعرضه التجسم ولو كان له صفات الأجسام كان في ذاته جسما فكيف يقبل الجسم والشيء لا يقبل نفسه فعلم أنه غير متعين بشيء من الصفات المعينة إلا مطلق الوجود الجوهرية وهو المراد بالهيولى وإنما قال إنه موضوع مع أن الهيولى مادة للاتصال الجوهري أعني الصورة الجرمية لأنها باعتبار وجودها البقائي موضوع لكل صورة جسمية حادثة وباعتبار تحصلها بتلك الصورة مادة لها واعترض صاحب المطارحات على هذه الحجة أولا بأنها بنيت على الاتصال ونحن لا نسلم في الجسم إلا الاتصال الذي هو من عوارض الكم وما قيل إن في الشمعة بتبدل الأبعاد واتصال واحد فيها باق بعينه فغير تام فإن الشمعة الطويلة إذا جعل مستديرة اجتمعت فيها أجزاء كانت متفرقة والمستديرة إذا طولت تفرقت فيها أجزاء كانت متصلة والاتصالات والامتدادات فيها على سبيل التبدل فاتصال وامتداد ثابت بعينه ممنوع والوجه الثاني هو أن الاتصال المورد في الحجة هو ما يقابله الانفصال ويبطل بوقوع الانفصال ويعود الجسم بالاتصال مثله والذي يقبله هو الجسم وكيف لا يكون مثل هذه الاتصالات المشخصة أعراضا فإنها يحدث ويبطل والماهية الجسمية والنوعية لا يتبدل ويستغني في قوامها عنه فإن كان وراء هذه الاتصال اتصال آخر فلقائل أن يقول هو الجسم لا غير ولا يكفيكم أن يقولوا إنه لا يبقى مع الانفصال فإن الذي يبطله الانفصال هو العارض لا الجوهري وإن كان الجوهري يبطل بالانفصال فما كانت الحقيقة الجسمية يبقى مع الانفصال والوجه الثالث أن الاتصال إما أن يعنى به ما لا يتصور أن يعقل إلا بين شيئين وهو الذي يقابله الانفصال فلا يصلح أن يكون جزءا لأمر جوهري وإما أن يعنى به ما لا يستدعي أن يكون بين اثنين ويكون اصطلاحا غير ما يفهمه الكافه فهو الامتداد وقد صرح المتأخرون أن هذا الاتصال امتداد جوهري ويذكرونه موضع الاتصال الذي هو صورة الامتداد الجرمي فيقول قائل إن الامتداد القابل للانفصال وهو نفس الجسم فهو القابل للاتصال ولا الانفصال والوجه الرابع هو أنكم أثبتم في الجسم امتدادا عرضيا وهو الأبعاد الثلاثة والامتداد الجوهري هو الصورة الجرمية والامتداد من حيث ماهية لا يختلف فلو اقتضى شيء من الجوهرية لكان الجميع جوهرا وكذا جانب العرضية