صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

2

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

[ فن الإلهيات ] [ المقالة الأولى وفيها ثمانية فصول ] بسم الله الرحمن الرحيم [ الفصل الأول : في موضوع الفلسفة ] قوله قدس سره إن العلوم الفلسفية كما قد أشير إليه إلى آخره ذكر الشيخ في الفصل الثاني من الفن الأول من الجملة الأولى وهي في المنطق أن الغرض في الفلسفة أن يوقف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن للإنسان أن يقف عليه والأشياء الموجودة إما ما ليس وجوده باختيارنا وفعلنا وإما أشياء وجودها باختيارنا وفعلنا ومعرفة الأمور التي من القسم الأول يسمى حكمة نظرية ومعرفة الأمور التي من القسم الثاني تسمى حكمة عملية والفلسفة النظرية إنما الغاية فيها تكميل النفس بأن تعلم فقط والفلسفة العملية إنما الغاية فيها تكميل النفس لا بأن تعلم فقط بل بأن تعلم ما تعمل به فتعمل فالنظرية غايتها اعتقاد رأي ليس بعمل والعملية غايتها معرفة رأي هو في عمل فالنظرية أولى بأن ينسب إلى الرأي انتهى اعلم أن النظري والعملي يستعملان بالاشتراك الصناعي كما نبه عليه العلامة الشيرازي في شرح الكليات من قانون في ثلاثة معان أحدها في تقسيم العلوم مطلقا فيقال العلوم إما نظرية أي غير متعلقة بكيفية عمل وإما عملية متعلقة بها كالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الكتابة والخياطة كلها داخلة في العملي المذكور هناك لأنها بأسرها متعلقة بكيفية عمل سواء كان العمل ذهنيا كالمنطق أو خارجيا كالطب مثلا وثانيها في تقسيم الحكمة وهو المذكور هاهنا وفي ذلك الموضع في كتاب المنطق للشفاء وفي كتاب الطبيعيات منه وهذا التقسيم باعتبار الموضوع فالمنطق عندنا وعند من لم يعتبر قيد الأعيان في تعريف الحكمة داخل في الحكمة النظرية كما مال إليه الشيخ في الإشارات وفي الحكمة المشرقية دون العملية إذ ليس بحثه إلا عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا ومن ذلك البحث يعلم كيفية العمل الذي هو الفكر إذ ليس يلزم من تعلق العلم بكيفية عمل أن يكون ذلك العمل موضوعه كما في الحكمة العملية وأما عند غيرنا ممن اعتبر قيد الأعيان في التعريف فيكون المنطق خارجا عن القسيمين جميعا وثالثها ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها إما عملية أي تتوقف حصولها على ممارسة العمل والتمرن فيه أو نظرية لا يتوقف عليهما وعلى هذا يكون علم الفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطب مطلقا خارجة عن العملية بهذا المعنى إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال بخلاف علوم الكتابة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة قوله لحصول العقل بالفعل ينبغي أن يعلم أن النفس الإنسانية وإن كانت أمرا بسيطا في الخارج فهي مركبة بحسب التحليل الذهني والاعتبار العقلي من أمرين أحدهما بأنه يكون بالفعل وثانيهما بأنه تكون بالقوة فهي بالاعتبار الأول صورة محصلة للمادة الجسمانية الحيوانية إنسانا بالفعل فاعلة لآثارها مدبرة لقواها محركة لأعضائها باستخدام القوى والأدوات وبالاعتبار الثاني قابلة كالهيولى الأولى لما يفيض عليها من الصور والأعراض من باب الكمالات النفسانية فالأعراض كالعلوم التصورية والتصديقية وسائر الأحوال والأخلاق والصور الجوهرية كحصول العقل بالفعل الذي يصير به الإنسان من ضرب الملائكة العلويين وما يقابله كما فصل في موضعه واعلم أن الكمال ما يتم به الشيء كما أن الصورة ما يوجد به الشيء بالفعل والغاية ما لأجله الشيء وهي أيضا كمال وصورة لكن بالنسبة إلى مرتبة أخرى فوق ما هي غاية له فالشيء الواحد قد يكون صورة وكمالا وغاية باعتبارات مختلفة فالنفس الإنسانية مثلا كمال أول الإنسان بما هو إنسان وصورة لبدنه وغاية للحيوان بما هو حيوان فكل غاية كمال وليس كل كمال غاية وقد يكون لشيء واحد غايات متعاقبة كما يوجد له صور مترادفة متكاملة إذا تقرر هذا فقوله لحصول العلم التصوري والتصديقي إشارة إلى الكمال الأول للقوة النفسانية العالمة وهو غاية بالقياس إلى العقل الهيولاني وقوله لحصول العقل بالفعل إشارة إلى غاية القوة النظرية ولأجل ذلك أتى الشيخ فيه باللام وفي الأول بالياء ولا ينافيه قوله فيكون الغاية فيها حصول رأي واعتقاد لأن هذه الغاية ليست غاية أخيرة هي العقل بالفعل فحصول العلم التصوري والتصديقي صورة وكمال أول للنفس العالمة به باعتبار وغاية باعتبار العقل الهيولاني قوله وإن العملية هي التي يطلب فيها أولا استكمال القوة النظرية إلى آخره كون هذه العلوم كمالا للقوة النظرية محل تأمّل لوجهين أحدهما أن كل ما يعلم ليعمل به