صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

51

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

إلى أن يجيء البرهان الدال على امتناع تناهيه وكذا يمكن تصور معناه من غير أن يخطر بالبال تناهيه ومن تصور جسما لا تناهيا فليس فمن تصور شيئا تناقضا أو تصور جسما لا جسما بل من زعم أن جسما غير متناه فلم يتصور الموصوف أو الموضوع إلا جسما ولم يخطئ في تصوره لكنه أخطأ بالتصديق في نسبة أحدهما إلى الآخر أو التقييد كمن قال إن الجسم إله فإنه أخطأ في التصديق لا في تصور طرفيه فكذا من قال الجسم الإله ولا كذلك من تصور جسما غير جوهر وقال بأن الجسم لا جوهر فإنه لم يتصور بعد الجسم بحقيقته ثم على فرض لزوم التناهي والسطح في تحقق الجسم جسما فيكفي فيه سطح واحد فقط مجردا عن بعد آخر يكون طولا أو عمقا كالمستديرات من الأجسام كالكرة والحلقة المفرغة والشلجمي واعلم أنه إلى هنا تم البيان في إبطال أن يكون لوجود الطول والعرض والعمق بأحد من المعاني المذكورة مدخلية في تتميم وجود الجسم بما هو جسم ولا أيضا يكون من لوازم الجسمية لأن كلا من هذه المعاني يرجع إلى الخط وإلى السطح لكن الشيخ أراد الاستظهار فأبطل سائر المعاني في صلوحها للتعريف بوجه مستأنف فذكر أنه ليس من شرط الجسم بما هو جسم بعد فرض أن يكون ذا أبعاد أن يكون أبعاده متفاصلة كما يقتضيه أحد معاني الطول والعرض والعمق فإن المكعب جسم وليست أبعاده سواء أريد بها الخطوط والسطوح متفاضلة فإن له ستة سطوح متساوية واثنا عشر خطوطا متساوية وكذا ليس من شرط أن يكون الجسم جسما أن يكون موضوعا تحت السماء ليعرض لأجزائه الفوقية والتحتية وغيرهما لأجل جهات العالم حتى يكون ذا طول وعرض وعمق بالمعنى الأخريان يكون طوله هو امتداده الواقع بين السماء والأرض أو بين المحدد والمركز أو أخذ من جانب المركز إلى جانب السماء والباقيان على قياسه وأن يكون عمقه هو الأخذ من الفوق إلى أسفل والباقيان على قياسه بل الذي يلزم الجسم في وجودها جسما أن يكون إما السماء أو في سماء لا أحدهما بخصوصه فإذا كان السماء سيما القصوى لا يكون ذا طول وعرض وعمق بهذا المعنى ولا بشيء من المعاني السابقة اللهم إلا أن يكون متحركا بثلاث حركات مقاطعها تارة على الأقطاب وأقطابها واقعة على المناطق إحداهما بالذات والأخيران بالعرض قوله فبين من هذا أنه ليس بحسب أن يكون في الجسم ثلاثة أبعاد بالفعل إلى آخره يعني إذا بطل بالبيان المذكور استلزام الجسمية للأبعاد الثلاثة بالفعل لشيء من المعاني المذكورة فليس لأحد أن يلجىء نفسه في تعريف الجسم إلى فرض الأبعاد الثلاثة فيه بالفعل فإن فرض الأبعاد غير لازم الجسمية فكيف وجودها وكذا إمكان وجود الأبعاد أيضا غير واجب في كل جسم بل الذي من لوازم الجسم الشامل لجميع أفراده المانع لدخول غيره الصالح لأن يكون رسما بل حدا للجسم أنه الجوهر الذي يمكن لأحد أن يفرض فيه أبعادا ثلاثة على الوجه الذي مر واعلم أن فرض الأبعاد الثلاثة المتقاطعة على قوائم يمكن على وجهين أحدهما بحسب الإدراك العقلي كليا والثاني ما بحسب الإدراك الوهمي جزئيا وذلك لا يتصور ولا يمكن وجوده إلا للمقدار فعلى الأوجه الأول يصلح أن يكون مأخوذا في الحد وعلى الوجه الآخر لا يكون التعريف إلا رسما واعلم أنه لا يمكن لأحد أن يفرض بعدا عموديا في جسم واحد بهذه الصفة أي بأن يكون موضع التقاطع منه نقطة واحدة إلا ثلاثة لا أزيد منها وأما إذا لم يكن الأبعاد على وصف التقاطع أو يكون التقاطع لا على نقطة واحدة أو يكون على نقطة واحدة لكن لا يكون تقاطعها على زوايا قوائم فيمكن فرضها أزيد من الثلاثة فإن المكعب فيه اثنا عشر خطوطا كلها أعمدة يكون تقاطع بعضها لبعض على زوايا قوائم لكن على نقاط متعددة فإن فيه أربع نقاط كل واحدة منها موضع التقاطع ثلاثة أعمدة لا غير [ في إطلاق الصورة بمعنى الحقيقة ] قوله وكون الجسم بهذه الصفة هو الذي يشار بها لأجله إلى الجسم بأنه طويل عريض عميق إلى آخره يعني كون الجسم بحيث يمكن أن يفرض فيه خطوط ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم هو ماهية الجسم وحقيقته وهو الذي من جهته يشار إلى الجسم في التعريف المشهور بأنه جوهر ذو طول وعرض وعمق وأنه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة وليس المراد منه أن هذه الامتدادات موجودة فيه بالفعل حتى إنه لو كانت موجودة فيه كالمكعب فليست جسميته من جهة وجودها بالفعل بل من جهة الكون المذكور فقط كما أنه إذا قيل إن الجسم هو المنقسم في الجهات ليس يعني بذلك أنه منقسم بالفعل مفروغ عن تقسيمه كما هو مذهب القائلين بالجواهر الفردة أو النظام من المعتزلة بل إنما المراد به عند الحكيم أن من شأنه بما هو جسم أن يقبل الانقسام في تلك الأبعاد أو من شأنه أن يفرض فيه ذلك فهذا ملاك الجسمية وحقيقته معنى الجسم وغير ذلك من المعاني من الأعراض المفارقة لبعض أنحاء وجوده كما أن معنى الجوهر الذي يصلح أن يكون جنسا لأفراده المحصلة النوعية هو كون الماهية بحيث يكون وجوده الخارجي لا في موضوع لا كونه بالفعل لا في موضوع وإلا لم يكن ماهية الجوهر التي في موضوع الذهني جوهرا بل هذا المعنى من العوارض الغير اللازمة لماهية الجوهر بما هو جوهر هكذا يجب أن يفهم معنى الجسم ويعرف به وهو أنه الجوهر الذي كماله الأول وصورته التي بها تمام ماهيته أن يكون بحيث يمكن أن يفرض فيه تلك الأبعاد والأقسام على الوجه المذكور وهو أي الجسم بسبب هذا