صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

46

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

في غيرها من حيث وجودها الحقيقي بل إنما جزؤها لشيء يكون وجوده بمجرد الاعتبار كالأمر المركب من العرض والموضوع وعلى ذلك الوجه يصير جوهريا أي ذاتيا لا جوهرا ولا منافاة بين كون الشيء عرضا وجوهريا كما لا منافاة بين كون الشيء جوهرا وعرضيا ورابعها وهو أيضا قريب المأخذ مما سبق أن العرض في المركب كجزء منه فلا يكون عرضا فيه وكل ما لا يكون عرضا في الشيء كان جوهرا فيه لكنه بالنسبة إلى القابل عرض فالشيء الواحد جوهر وعرض والجواب أن هذه شبهة نشأت من الخلط بين مفهومي الجوهر والجوهري وكذا بين العرض والعرضي فإن الأخير منهما إضافيان والأوليان حقيقيان فكما أن الجوهر جوهر في نفسه ليست جوهريته بالقياس إلى شيء بل لأنه في نفسه غير مفتقر إلى الموضوع أصلا فكذا العرض ليست عرضيته إلا لأنه أمر في نفسه يحتاج إلى موضوع كيف كان وأي شيء كان بالقياس إلى شيء وأما العرضية والجوهرية بمعنى كون الشيء جنسا وفصلا وخاصة وعرضا عاما فذلك إنما يكون أمرا إضافيا بناء على أحد هذين الاعتبارين أي الدخول في شيء والخروج عنه فهنا احتمالات فإن شيئا واحدا يجوز أن يكون عرضا في نفسه وعرضيا للشيء كالأبيض عرض في نفسه وعرضيا لحيوان ويجوز أن يكون عرضا في نفسه وجوهريا لشيء كاللون عرض في نفسه وجوهري للسواد وأن يكون جوهرا في نفسه وجوهر بالشيء كالحيوان بالقياس إلى الإنسان أو جوهرا في نفسه وعرضيا لشيء كالإنسان بالقياس إلى الضاحك أو جوهرا في نفسه وجوهري للإنسان وعرضي للماشي فقد وضح أن مجرد كون الشيء في المركب ليس لا كجزء مما لا يوجب كونه جوهرا إلا إذا لم يكن مهيته محتاجة إلى الموضوع فإن كانت مهيته محتاجة إلى الموضوع فهو عرض سواء كان جزءا للمركب أو لا وما وجد في كلام القوم أن جزء المركب الجوهري جوهر فهو مشروط بأن المركب ذا طبيعة واحدة فإن جزء المركب الجوهري الطبيعي إذا كان وجوده في شيء فلا يكون كوجود الشيء في الموضوع بل كوجوده في المادة وهذه المعاني مبسوطة في قاطيغورياس بما لا مزيد عليه ثم العجب من صاحب المباحث المشرقية أنه بعد ما نقل أكثر هذه المعاني مرارا في كتبه وفي شروحه لكلام الحكماء كر راجعا وقال إن لهم أن يحتجوا لمذهبهم أن كل ما حل في شيء يكون لذلك الحال اعتبار أنه في المحل واعتبار أنه في المجموع وأما الاعتبار الثاني فلا شبهة أنه لا يوجب العرضية لأنه جزء ومن شرط العرض أن لا يكون جزءا وأما اعتبار كونه في المحل فلا يخلو إما أن يعقل محل يتقوم بما يحل فيه أو لا يعقل والأول باطل لوجهين أحدهما أن الحال محتاج إلى المحل فلو احتاج إليه المحل لدار الاحتياج من كل منهما إلى الآخر والدور باطل والثاني أن هيولى العناصر مشتركة بين صورها فلو كان لوجود الشيء من الصور العنصرية مدخل في تقويم وجود الهيولى وتتميم ذاتها لزم ارتفاع الهيولى عند ارتفاع تلك الصورة فحينئذ لا يكون الهيولى مشتركة هذا خلف فيكون الحال جوهرا وعرضا وهذه هي العقدة التي لفقها من قبل المجوزين لكون الواحد جوهرا وعرضا وأما حلها فتذكر ما سلف حتى يظهر وجود الفساد في كلامه أما أولا فلأنه خلط بين الجوهر والجوهري أعني الذاتي والعرض والعرضي فاستدل على جوهرية كل ما حل في شيء بأنه جزء المجموع وجزء المجموع لا يكون عرضا والحق أن جزء المجموع لا يكون عرضيا وذلك لا يوجب إلا كونه جوهريا لا كونه جوهرا ولا تنافي بين كون الشيء عرضا في نفسه جوهريا لغيره وأما ثانيا فلأنه قد وقع في كلامه الخلط بين حال الشيء في نفسه وبين حال الشيء مقيسا إلى غيره فاستدل في نفي أحدهما على إثبات مقابل للآخر وذلك فإنه لا يلزم عن عدم كون الشيء عرضيا أي خارجيا أن يكون جوهرا إذ ليس مقابلا له بل المقابل له الجوهري فلا يثبت من نفي كون جزء المجموع عرضيا له إلا كونه ذاتيا له لا كونه جوهرا في نفسه فإن اللونية ذاتية للسواد وليست جوهرا وأما ثالثا فما ذكره من لزوم الدور فهو ليس إلا الافتقار من الطرفين لا على سبيل الدور المستحيل لأن جهة الافتقار فيما بين الحال والمحل المتقوم به مختلفة كما سيقف عليه وأما رابعا فلما سيجيء أيضا من أن المادة الأولى مفتقرة في ذاتها إلى نوع من الصورة أي نوع كان وليست مفتقرة إلى شيء من الأعراض نحوا من الافتقار وهذا مناط الفرق بين كون الحال صورة أو عرضا ثم إن للمادة لكونها حقيقة مبهمة تحصلات مختلفة نوعية ففي كل منهما يحتاج إلى صورة نوعية خاصة وارتفاعها لا يوجب زوالها بالكلية بل زوال نوعيتها الخاصة كحال الجنس بالقياس إلى الفصول المختلفة المقوم كل منها لوجوده النوعي فإن زوال كل فصل لا يوجب زوال الجنس بالكلية بل زوال نحو واحد من أنحاء وجوداته وتحصلاته [ في الفرق بين الموضوع والمحل ] قوله فنقول قد علم فيما سلف أن بين الموضوع والمحل فرق إلى آخره قد سبق في أوائل الفن الثاني المسمى تقاطيغورياس أن الفرق بين الموضوع والمحل بالأخصية والأعمية وكذا الفرق بين العرض والحال فكل موضوع محل لأنه جزء معنى الموضوع وكل عرض حال كذلك وذلك لأنه يعنى بالموضوع ما كان بذاته ونوعيته قائما ثم كان سببا لقيام شيء آخر منه لا كجزء منه ويعنى بالمحل ما هو أعم من هذا المعنى وهو كل ما يوجد له شيء يقوم به سواء تمت ذاته ونوعيته بدون ذلك الشيء أو به فهو على كلا الوجهين