صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
33
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
إلى ما سبق من قوله ليس يمكن أن يكونا متكافىء الوجود إلى آخره أي إذا لم يكن أحد الواجبين علة مطلقة للآخر ولا لهما علة خارجة عنهما كذلك فلا يخلو إما أن يكون نحو وجود واحد منهما وحقيقته الخاصة به أن يكون مع الآخر أو لا يكون كذلك فعلى الأول يكون وجوده وجودا نسبيا تعلقيا كوجود الإضافات والأعراض والصور المنطبعة فكيف يكون واجب الوجود وهو من الممكنات الناقصة الوجود لا المستقلة الوجود كالجواهر المفارقة وكيف يكون علته الشيء الذي يكافيه في الوجود بل هي متقدمة عليه مطلقا وهو المتأخر عنها مطلقا فلا يكون سبب العلاقة بينهما من الطرفين كما هو شأن المتكافئين بل من جانب واحد كما هو شأن العلة والمعلول وأما على الثاني فلا يكون بينهما معية ذاتية وعلاقة وجودية فيكون المعية طارئة عليه بعد تقرر وجوده الخاص كحال المتضايفين اللذين عرضت لهما الإضافة بعد وجودهما كالركبان مع السفينة وصاحب الدار مع الدار فإن لكل من الطرفين وجودا خاصا لا يكون بحسبه متعلقا بالآخر ولا معه ثم لحقه صفة بحسبها كان مع الآخر قوله وأيضا فإن الوجود الذي يخصه إلى آخره يريد التنبيه على أن هذا الشق الذي يكون المعية فيه طارئة على المتكافئين بعد وجود كل منهما الخاص به يحتمل قسمين أحدهما أن يكون أحد المعنيين علة للآخر والآخر أن لا يكون كذلك فبين في الأول أنه وإن كان وجود أحدهما الخاص به متعلقا بالآخر لكن ليس متعلقا به من حيث هو مكافئة ومن حيث يكون معه بل من حيث ذاته المتقدمة عليه بالذات ومن حيث وجوده الذي يخصه كالأب والابن وكالصانع والمصنوع فإنهما ليسا متكافئين في أصل الوجود بل في صفة لاحقة لهما هي معنى الأبوة والبنوة ومعنى الصانعية والمصنوعية ومع ذلك يكون سبب المعية الطارئة والعلاقة الذاتية العقلية هو تلك العلة بوجودها الخاص المتقدم وبين في الثاني وهو أن لا يكون فيه أحدهما علة للآخر وتكون العلاقة عارضة لهما لازمة أو غير لازمة أنه لا بد فيه أن يكون العلة الأولى للعلاقة أمرا خارجا عنهما موجدا لذاتيهما وبتوسطهما للعلاقة الأرضية كما سبق فلا تكافؤ بين هذين القسمين من الشق الثاني إلا بالعرض سواء كان لازما أو مفارقا والذي كلامنا فيه هو المتكافئان بالذات وفي نحو الوجود الخاص وقد علمت أنه لا بد في المتكافئين بالعرض كالمتضايفين من علة سواء كانت العلة في أحدهما أو خارجا عنهما وعلى كلا التقديرين يكونان من حيث التكافؤ معلولين فنثبت أن التكافؤ العرضي أيضا بين الواجبين لو فرضنا وفرض لا ينفك عن معلولية أحدهما أو كليهما وهو ينافي الوجوب الذاتي فلو تحقق واجبان فرضا كانت بينهما مصاحبة اتفاقية لا علاقة ذاتية ولا عرضية أيضا ومن الأغلاط الواقعة في هذا المقام أنه استدل بعض المشتهرين بالفضل على توحيد الواجب أنه لو وجد واجبان فلا يخلو إما أن يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر أو لا يجوز فإن جاز يلزم جواز عدم الواجب وهو محال وإن لم يجز كان بينهما تلازم عقلي والتلازم يقتضي معلولية أحد المتلازمين أو كليهما وعلى الوجهين يلزم معلولية الواجب وهو محال فتعدد الواجب محال والغلط إنما نشاء فيه من الاشتباه بين معنى الإمكان الذاتي والإمكان بالقياس إلى الغير والمنافي للوجوب الذاتي إنما هو المعنى الأول دون الثاني كما علمت [ الفصل السابع : في حدة الواجب ] قوله إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتا واحدة يريد بيان نفي الشركة في وجوب الوجود بالذات ولنقرر دليله على وجه التلخيص ثم نرجع إلى حل ألفاظه فنقول لا يجوز أن يكون واجب الوجود بالذات إلا واحدا إذ لو وجد واجبا الوجود بالذات فلا يخلو إما أن يكون المعنى المتفق فيه لهما تمام حقيقة أحدهما حتى لا مخالفة له عن الآخر في أصل الحقيقة أو لا يكون كذلك فإن وافق هذا الآخر في أصل الحقيقة وخالفه في أنه هذا وهو ذاك فلا بد هاهنا من أمر يقارن تلك الحقيقة المتفقة فيهما الذي به يمتاز أحدهما عن الآخر وذاك الأمر المقارن يكون لا محالة من قبيل العوارض اللاحقة الغير المتقومة لتلك الحقيقة المشتركة وكل عرضي معلل إما بنفس الحقيقة أو بعلة خارجة فإن كانت علة ذلك المقارن الذي يتميز هذا الواحد عن الآخر هي نفس تلك الحقيقة فلا تعدد في لازم الحقيقة فلم يكن الواجب الوجود إلا هذا الواحد وإن كانت العلة أمرا خارجا عنهما فيكون تعين الواجب الوجود بأمر خارج فلو لم يكن ذلك الأمر لم يكن واجب الوجود إلا واحدا فيلزم أن يكون واجب الوجود بذاته واجب الوجود بغيره والحاصل إن لم يكن ذلك الأمر فلا يخلو إما يبقى واجب الوجود واحدا فيلزم ما ذكر وإلا فيلزم إمكان الواجب الوجود وكونه معللا بغيره وإن خالف أحدهما الآخر في المعنى والحقيقة بعد ما وافقه في المعنى المتفق فيه فما به الاختلاف إن كان شرطا في وجوب الوجود فلا واجب إلا ما اتفق فيه فلا يكون فلم يكن إلا واحدا وإن لم يكن شرطا فيتحقق وجوب الوجود متفردا دونه هذا حاصل ما ذكره وأما ألفاظ الكتاب فقوله كل واحد منها في المعنى الذي حقيقته لا يخالف الآخر أراد بذلك الذي هو حقيقة كل منها تمام المهية النوعية التي لا اختلاف بين أفرادها إلا بالعوارض اللاحقة وإنما أتى بهذا اللفظ دون المهية النوعية أو النوع ليشتمل اشتراك الوجود بينها والوجود كما علمت ليس بمهية نوعية ولا نوعا قوله قد قارنه شيء به صار هذا أو في هذا أو قارنه نفس أنه هذا أو في هذا يحتمل أن يكون مراده من أحد