صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

18

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

أن المهندس والطبيعي ينظر أن في كرية الفلك أما المهندس فيقول إن الفلك كري لأن أقطاره من جميع الجوانب متساوية ومحاذيات أجزائه لنقطة كذا متشابهة ومبدأ هذا البرهان من الحس وهو ليس بمبدإ حقيقي وأما الطبيعي فيقول إن الفلك ذو طبيعة بسيطة هي مبدأ حركته وسكونه على هيئته فهيئة سكونه غير مختلفة لأن القوة الواحدة في مادة واحدة تفعل هيئة متشابهة فنظر هذا من جهة طبيعة الفلك وهي علته المقومة ونظر ذلك من جهة كمية الفلك وهي معلومة المتقوم به ومبدئية المعلول إنما يعطي العلم لعلة ما ومبدئية العلة إنما يعطي العلم بالمعلول بخصوصه فلو فرض مطلوب واحد ثبت في أحد العلمين كالطبيعي ببرهان إن وفي علم آخر كالإلهي ببرهان لم وأخذ المعلوم بالوجه الأول في بيان نفسه بالوجه الثاني لم يلزم منه الدور ولا مبدئية للشيء لنفسه على الحقيقة قوله فقد ارتفع إذن الشك فإن المبدأ للطبيعي إلخ لما ذكر الوجوه الثلاثة على الوجه الكلي العام شرع في أجزائها في ما هو بصدده من رفع الشك ودفع الإشكال فقوله فإن المبدأ للطبيعي يجوز أن يكون بينا بنفسه إشارة إلى الوجه الثاني وإنما قدمه هاهنا لأنه أخف مئونة لأنه مجرد منع وقوله ويجوز أن يكون بيانه إلى قوله بل له مقدمة أخرى إشارة إلى الوجه الأول وإنما قدمه هناك لأنه أقرب إلى الوقوع وأكثر في التحقيق وقوله وقد يجوز أن يكون العلم الطبيعي إلى قوله وخصوصا في العلل الغائية البعيدة إشارة إلى الوجه الأخير واعلم أنه قد يتفق لمسألة واحدة برهانان لميان من علمين مختلفين أحدهما تحت الآخر كالطبيعي والإلهي وذلك إذا كانت للخط مبدءان قريب كالصورة والمادة وبعيد كالفاعل والغاية أو يكون له غاية بعيدة فوق غايته القريبة مثاله أن العلم الطبيعي والإلهي يشتركان في النظر في تشابه الحركة الأولى وثباتها لكن الطبيعي يأخذ الوسط من الطبيعة التي لا ضد لها والمادة البسيطة التي لا اختلاف فيها والفيلسوف يأخذ الوسط من العلة المفارقة التي هي الخير المحض والعقل المحيط والعلة الغائية الأولى التي هي الوجود المحض فالطبيعي يعطي برهانا لميا ما دامت المادة والطبيعة موجودتين والفيلسوف يعطي البرهان اللمي الدائم مطلقا ويعطي علة دوام المادة والطبيعة التي لا ضد لها فيدوم مقتضاها وبالجملة فإذا أعطى البرهان من العلل المقارنة كان من العلم السافل وإن أعطى من العلل المفارقة كان من العلم الأعلى والعلل المقارنة هي الهيولى والصورة والعلل المفارقة هي الفاعل والغاية وقد يفيد العلم الأعلى مقدمات ثابتة في العلم الأسفل من مباد بينة بأنفسها أو بينة بالحس والتجربة فلا يكون البيان في العلم الأعلى دوريا كما سبق قوله فقد اتضح أنه إما أن يكون ما هو مبدأ بوجه ما إلى آخره لما ذكر الوجوه الثلاثة أولا على الوجه العام ثم ذكرها على الوجه الخاص الموافق لمقصوده كر عليها راجعا زيادة في التوضيح والتأكيد قوله ويجب أن يعلم أن في نفس الأمر طريقا إلى آخره لما ذكر مرتبة هذا العلم وحكم بأنه ينبغي أن يتعلم بعد العلوم الطبيعية والرياضية وقد سبقت الإشارة إلى أنه مقدم بالذات والشرف على سائر العلوم وأن هذا التأخر له من العلمين الآخرين أمر قد عرض له لا لذاته بل بحسب وضع لاحق أراد أن يشير إلى أنه يمكن أن يكون ترتيبه الوضعي على وفق ترتيبه الذاتي الطبيعي بأن يكون تعلمه سابقا على تعلم العلمين الآخرين المتعلقين بالأمور المحسوسة وذلك لأن في نفس الأمر طريقا إلى حصول الغرض من هذا العلم وهو معرفة الأمور الكلية ابتداء من غير الاستعانة بعلم المحسوسات والطبيعيات كما في إثبات المبدإ الأول فإنه وإن وقع من النظر في الأمور المحسوسة وما يتعلق بها وتارة من النظر في الحركة وأنها موجودة وأن لكل ذي حركة محركا حتى لا ينتهي إلى محرك أول غير متحرك وتارة من النظر في هذا العالم المحسوس من جهة إمكانه وأن له مبدأ غير ممكن الوجود وتارة من النظر في النفس وأنها قد يخرج من حد العقل بالقوة إلى حد العقل بالفعل وأن مخرجها من القوة إلى الفعل لا بد أن يكون عقلا كاملا من كل وجه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء والأرض وفي جميع هذه الطرق استدلال بالأمور المحسوسة أو الطبيعة ففي ذلك المطلب طريق آخر لا يستعان فيه من النظر في شيء مما يبحث فيه أحد هذين العلمين كما سيتضح لك في الفصل السادس من هذه المقالة وكذا وحدانيته تعالى وبراءته عن صفات التكثر والتغير وكذا في إلهيته ومبدئيته للكل ونسبة الفعل إليه بالإبداع الذي هو أفضل ضروب الفاعلية وفي تحقيق أول الصوادر منه وصدور الأشياء منه على الترتيب الأشرف فالأشرف كل ذلك من غير النظر إلى ما سواه من الممكنات فضلا عن المحسوسات واعلم أن في كلامه إشارة إلى فوائد ثلاثة أحدها استحقاق هذا العلم للتقدم على سائر العلوم بالرتبة كما أن له تقدما بالذات وبالشرف وثانيها تحقق هذه الطريقة في تحصيل الغرض من هذا العلم وثالثها الإشارة إلى جواب آخر عن الشك المذكور واعلم أن هذا الذي هو سلوك عن المبادي إلى الثواني هو طريقة قوم من الإلهيين الكاملين في القوة النظرية المؤيدين بالقوة القدسية الذين أشير إليهم في الكتاب الإلهي بقوله تعالى أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بعد ما وقعت الإشارة إلى الطريقة المشهورة للحكماء المتألهين في خلق السماوات والأرض المتدبرين في الآفاق والأنفس بقوله سبحانه