صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
123
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
عرضية الكميات والشيخ قد بحث عن وجود المحسوسات في غير موضع فإنه قد تكلم تارة في خامس خامسة الفن الثاني من المنطق وتارة أخرى في الطبيعيات وهناك نقض مشاغبات الممارين في وجودها ودحض حجتهم فإن جماعة من القدماء زعم أن الكيفيات المحسوسة لا حقيقة لها في أنفسها بل إنما هي إنفعالات يعرض للحواس فقط فإذا قيل لهم لولا اختصاص اللون بكيفية مخصوصة لا يوجد في غيره لم يكن انفعال الحس منه أولى من غيره قالوا اختلاف الأشكال في الأجزاء التي هي مبادي هذه الأجسام الظاهرة موجبة للانفعالات المختلفة التي يكون في الحواس فإن تلك الأجزاء غير متجزية بالفعل وإن كانت متجزية في الوهم وهي مختلفة الأشكال واختلاف أشكالها ووضعها وترتيبها سبب لاختلاف الآثار الحاصلة في الحواس وزعم جماعة أخرى أن هذه الكيفيات نفس الأمزجة قالوا المزاج إذا كان على حد ما كان طعما ولونا معينين وإن كان بحد آخر كان طعما ولونا آخرين وليس اللون والطعم وسائر الأمور التي يجري مجراها شيئا والمزاج شيئا آخر بل كل واحد منها مزاج مخصوص يفعل في القوة اللامسة شيئا وفي الباصرة شيئا آخر وفي الذائقة شيئا آخر وهذا أيضا خطأ كما بين في موضعه وأيضا من الناس من زعم أن لا حقيقة للون بل البياض إنما يحصل من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المتصغرة جدا وأما السواد فإنما يتخيل بعدم غور الضوء في الجسم وعمقه ومن هؤلاء من جعل الماء سببا للسواد وقال شاهدنا أن الثياب إذا ابتلت مالت إلى السواد وأيضا فلأن الماء يخرج الهواء وليس إشفافه كإشفاف الهواء حتى ينفذ فيه الضوء إلى السطوح فلا جرم يبقى مظلمة وهو السواد وسائر الألوان متوسطة بينهما منشأ تخيلها هذه المخالطات المختلفة وهو أيضا مدفوع بما ذكر في الطبيعي قوله لكنه إنما يقع في أمرها هل هي أعراض أو ليست بأعراض إلى آخره من الناس من زعم أن الكيفيات المحسوسة جواهر مخالطة للأجسام فاللون جوهر بذاته والحرارة جوهر وكذا الرائحة والطعم والصوت والاستدلال بأن كلا من هذه الأمور يحدث تارة ويزول أخرى والمحسوس المشار إليه موجود بذاته قائم بنفسه غير مقنعة لهم في هذا الباب إذ من الجائز في أول النظر أن يكون حدوثها وزوالها على سبيل نفوذ الأجسام لا بارتحال الأعراض وعدم ارتحال حواملها اللطيفة فعندهم أن هذه الأمور يأخذ في المفارقة عن الأجسام قليلا قليلا بحيث لا يقع الإحساس فيها بالأجزاء المفارقة لصغرها إذ كانت أصغر مما يدركه الحس ولا بمفارقتها وانتقالها لأنها مفترقة والافتراق غير مجتمعة فيه ومن هؤلاء من يقول بالكون فمن الواجب إبطال ما زعموه فاستدل على عرضيتها بأنها إن كانت جواهر فلا يخلو إما أن يكون أجساما أو إما أن يكون جواهر غير جسمية فإن كانت أجساما فيكون قابل طول وعرض وعمق هو لون ومعنى أنه ذو أبعاد ثلاثة غير معنى أنه لون لأن الأجسام اشتركت في الجسمية واختلف في اللون فيكون أمرا زائدا على الجسمية فلم يكن نفس الجسم ثم إنه قد يزول اللون ويبقى الجسم أي الطول والعرض والعمق فإما أن يكون للون طول وعرض وعمق غير هذا أو لا يكون فإن كان له مقدار غير هذا فقد دخل بعد في بعد وقد بين فساده وإن لم يكن له بعد غير هذا فليس لذات اللون إذن مقدار بل يتقدر بما يحله وإن كان جواهر غير جسمانية فإما أن يكون بحيث يجتمع من تركيبها الأجسام أو لا يجتمع فإن اجتمع من تركيبها الأجسام فيكون ما لا قدر له يجتمع من تركيبه ما له قدر وذلك معلوم البطلان وأما إن لم يكن كذلك ولكن توجد مخالطة للأجسام إذ لو لم يحصل من تركيبها الأجسام ولا يكون ممتزجة بها فيكون من الجواهر العقلية لا من المحسوسات الوضعية فإذن الذي يلزم أولا من هذه المخالطة والسريان أن يكون تلك الجواهر ذوات أوضاع فيكون أجساما والمفروض خلافه وثانيا أنه إما أن يصح لها أن يفارق الجسم الذي هي فيه أو لا يصح فإن صح فلا يخلو إما أن يصح أن لا يبقى في جسم من الأجسام أصلا أو لا يصح فإن جاز أن يوجد لا في جسم فلا يخلو إما أن يكون عند المفارقة مشار إليه أو لا فإن كان قابلا للإشارة الحسية كان في جسم لا محالة لوجهين أحدهما أن الخلأ محال فيستحيل أن يوجد لون في جهة ولا يكون فيها جسم وثانيهما أن الوضع المعين إنما يستحقه المادة المعينة كما ثبت فيمتنع أن لا يكون في مادة وإن لم يكن مشار إليه فحينئذ لا يكون أمرا محسوسا فلا يكون هو البياض مثلا الذي كلامنا فيه فإن البياض الذي كلامنا فيه هو اللون المعين الذي يفعل تفريقا في البصر فما ليس كذلك لا يكون بياضا وكذا الحكم في سائر المحسوسات ولا يمكن لمحسوس كالبياض بعينه أن يكون تارة في الموضوع المقدر الوضعي وتارة أخرى صورة روحانية لأنه قد أبطل هذا فيما سبق من مباحث علم النفس وأما إن لم يجز أن يوجد لا في جسم أصلا محال كان محتاجا إلى المحل لذاته وقد عرفت أن ذا المحل يستحيل انتقاله عنه فظهر أن هذه الكيفيات أعراض في الأجسام