صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

106

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

غير النحوين اللذين ذكرهما فلا يمكن للحس أو الوهم أن يشير أو يلتفت إلى أحد هذه الأمور دون الآخرين وإنما ذلك شأن العقل المدرك للمعاني والصور كلها ويفرق بين الذاتي والعرضي فإذا ليس للخط وجود ولكونه ذراعا وجود آخر وليس كذلك للخط المتناهي وجود ولتناهيه وكونه ذا الحد المعين وجودا آخر فالنقطة ليست وجودها إلا كون الخط للسطح والسطح للجسم وليس لشيء منها عروض خارجي يلزمه تغاير وجودي هذا ما أدى إليه النظر الدقيق ومن الله الهداية والتوفيق [ في إبطال ما قيل أن النقطة يرسم منها الخط ] قوله والذي يقال إن النقطة ترسم الخط بحركتها إلى آخره لا يخفى على المتأمّل أن الجسم قبل السطح قبلية بالذات والسطح قبل الخط والخط قبل النقطة كذلك إذ يمكن فرض جسم لا سطح معه كفرض جسم غير متناه وإن كان المفروض محالا وقوعه في الخارج ولا يمكن وجود سطح لا جسم معه وكذا يمكن للسطح وجود دون الخط كالكرة دون العكس ويمكن وجود خطه لا نقطة معه كالدائرة دون العكس فالذي يقال من أن النقطة متقدمة على الخط والخط متقدم على السطح والسطح على الجسم بأنها تفعل بحركتها الخط والخط يفعل بحركته عرضا السطح والسطح ليفعل بحركته عمقا الجسم فكلام لا تحصيل فيه بل مجرد التحصيل والتمثيل لا لأنه لا يمكن للنقطة مماسة منتقلة بتبعية انتقال متحرك بالاستقلال كمخروط يماس برأسه سطحا فإن ذلك ممكن في النقطة وكذا يمكن للخط مماسة سيالة بالتبعية لجسم كضلع خطي من جسم يماس به سطحا ينتقل عليه بانتقال ذلك الجسم بل السطح أيضا يمكن انتقاله بحيث يرسم من انتقاله مقدار جسمي تدريجي الحصول في الخيال لكن هذه الأمور المرسومة ليست أمورا مستقرة في الخارج ولا يبقى كل واحد منها في غير آن واحد فالمماسة الموجبة لحصول النقطة إذا انتقلت بطلت تلك النقطة وحصلت نقطة أخرى لو وقع سكون وأما عند الحركة فلا بل المماسة الكائنة أولا قبل الحركة لم يبق مجالها وزالت كما كان الأمر قبل المماسة فلم يكن هناك نقطة باقية ثم لو فرض بقاء نقطة فاعلة بعينها فلا يمكن بقاء ما يفعله من حدود الخط ليوجد منها خط في الخارج فالراسم للخط إن كان مماسة واحدة لم يبق موجودا بعد الحركة ولا عندها فإذا بطلت المماسة بالحركة فكيف يبقى ما هو مرسومها رسما ثابتا إلا في الخيال وإن كان نقطة ثابتة في شيء متحرك تحركت هي بحركته وتبدلت أوضاعها فلا يوجد أيضا امتداد ثابت بين مبدأ حركتها ومنتهاها إلا في الخيال فقط والوجه الثاني في بطلان هذا القول أن الكلام في التقدم والتأخر بالذات ومن جهة الطبيعة لا بحسب الاتفاق والإعداد فالنقطة المنتقلة لا يكون موجودة إلا في شيء لا محالة ولا يكون حركتها وسيلانها إلا على شيء ذي وضع قابل لأن يقع الحركة عليه فهو لا محالة جسم أو سطح لجسم أو خط هو طرف بعد فيكون هذه الأشياء أقدم وجودا من النقطة وكذا القياس في الخط في رسمه للسطح والسطح في رسمه للجسم لاستحالة الخلإ وهاهنا وجه ثالث في بطلان ما توهموه وهو أن أمرا غير منقسم يفعل بحركته منقسما وهو أنه إذا اجتمعت عدة من النقاط فلا يمكن أن يحصل من اجتماعها وتأليفها خط لأن النقط الثلاث مثلا إذا اجتمعت فالواسطة إن لقيت بكليتها كلية الطرفين فهي يداخل فيهما وهما يداخلان فيها والمداخلة التامة لا يوجب العظم لأنها ينافي العظم والترتيب وإن كانت الواسطة ما لقيت الطرفين لبقاء بالأسر بل لقيت ببعضها طرفا وببعضها طرفا آخر فلزم انقسامها فلم يكن النقطة نقطة هذا خلف فإذا ظهر أنه لا يمكن أن يحصل خط من تأليف النقط ولا سطح من تأليف الخطوط ولا جسم من تأليف السطوح ثم إن تكرير نقطة واحدة عدة مرات حكمه في عدم حصول الخط منه بعينه حكم اجتماع نقاط متعددة تلك العدة وكذا الحال في تكرير خط أو تكرير سطح وبالجملة ما لا قدر له لا يحصل منه ذو قدر ففاعل المقادير والأعظام والأحجام أمر أجل وأرفع من أن يقع في حد أو تقدير وأما إثبات وجود هذه المقادير الثلاث فالجسم ظاهر الوجود فإن وجود السعة والفضاء أجلى وأغنى عن البرهان من وجود الجسم الطبيعي وأما وجود السطح فالبرهان الدال على تناهي الأبعاد مثبت له وأما وجود الخط فلجواز القطع في سطوح الأجسام القابلة للقطع ولجواز الحركات في غيرها على وجه يتعين الخطوط المستقيمة والمستديرة كمحيطات الدوائر ومحاورها [ في تحقيق ماهية الزاوية ] قوله وأما الزاوية فقد ظن بها أنها كمية متصلة إلى آخره يريد بيان حال الزاوية هل هي من أقسام الكم أو لا وإذا كانت من الكم فهل هي