خواجه نصير الدين الطوسي
78
شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )
ولم يتكلم فيما إليه حاجة - وذلك أنه أطنب في الفصل السالف - في أن المفتقر إلى الفاعل هو وجود الحادث - ولا حاجة إلى ذلك لعدم الخلاف فيه - ولم يتكلم في أن علة الحاجة هي الحدوث أم لا - والدائم هل يفتقر إلى مؤثر أم لا - وهذا هو محل الخلاف - ومعنى قوله الواجب بالغير - ينقسم إلى الدائم وإلى غير الدائم - ليس إلا أن الدائم يصح أن يكون مفتقرا إلى المؤثر - والنزاع لم يقع إلا فيه - وهو مصادرة على المطلوب - أقول أما قوله لا حاجة إلى بيان - أن وجود الحادث مفتقر إلى الفاعل - إذ لا خلاف
--> واما انه لم يتكلم في المحتاج اليه فلان محل النزاع هاهنا أمران : أحدهما : ان علة الحاجة هي الحدوث أو الا مكان والثاني : ان الدائم هل يصح ان يكون مفتقرا إلى المؤثر أم لا فإن الحكماء ذهبوا إلى أن العالم أزلي وأزليته لا ينافي افتقاره إلى الباري تعالى ، والجمهور قالوا : لو كان أزليا لاستغنى عن الفاعل لاستحالة احتياج الأزلي إلى الفاعل . فإذا اختلفوا في الأزلي فالدائم الذي هو أزلي وابدى أولى بالخلاف . ثم إنه لم يذكر في هذا الفصل ما يثبت الامرين ؛ بل صادر على المطلوب . لان قوله « مفهوم كونه غير واجب الوجود بذاته بل بغيره لا يمنع ان يكون على أحد قسمين : أحدهما واجب الوجود بغيره دائما ، والثاني واجب الوجود بغيره وقتا ما » ليس معناه الا ان الدائم يمكن أن يكون واجبا بغيره متعلقا به . وهو أول المسألة . وأيضا قوله « لو فرضنا أن المسبوق بالعدم واجب بذاته لم يفتقر إلى الغير » هو أيضا محل النزاع لان الذين يزعمون أن علة الحاجة الحدوث ذهبوا إلى أنه متى تحقق الحدوث وجب الحاجة إلى المؤثر سواء كان هناك الامكان أولا ، وإذا لم يتحقق الحدوث لا تقع الحاجة وان حصل الامكان وان ادعى ان احتياج الممكن إلى المؤثر ضروري سواء كان دائما أو لم يكن فما هذا الاطناب ؛ بل جميع ما ذكره من أول النمط إلى آخر هذا الفصل يكون حشوا . وان كان تلك القضية برهانية فما ذكر في البيان ليس الا إعادة الدعوى . وأقول : لما حكى الشيخ مذهب الجمهور : من أن تعلق المفعول بالفاعل من جهة الحدوث حتى أنه إذا خرج من العدم إلى الوجود لم يبق له تعلق به . حاول ان يبين خطأهم . ولا شك انه لو قال : المفعول ليس بواجب لذاته في شيء من أوقات وجوده فلا يكون وجوده من ذاته في شيء من الأوقات فيكون وجوده من الغير في جميع أوقات وجوده فيكون متعلقا بالفاعل دائما كفى في بيان خطأهم ؛ لكنه سلك طريقا آخر . وليس تعيين الطريق بلازم . على أن فيه فائدتين : تحقيق علية الامكان ، وابطال علية الحدوث . فوضع المفعول بإزاء المحدث وان اعتبره أصحابه أعم منه . لان نظر الجمهور مقصور عليه إذ لم يثبتوا من الممكنات شيئا غير المحدث ، وفتش عنه ان المتعلق بالفاعل اى شيء هو ، ثم إن تعلقه على اى جهة فبين في المقام الأول : ان المتعلق وجود المفعول . والقوم وان كانوا موافقين معه في ذلك الا ان الاتفاق ليس بحجة في الحكمة ، وعلى الحكيم البيان بالبرهان سواء كان متفقا عليه أولا .