خواجه نصير الدين الطوسي

397

شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )

هو السكون البدني من حركات البدن - وذلك نعم المعين - فالعارف أولى بانحفاظ قوته - فليس ما يحكى لك من ذلك مضادا لمذهب الطبيعة أقول السبب في كون العرفان مقتضيا للإمساك عن القوت - هو توجه النفس بالكلية إلى العالم القدسي - المستلزم لتشييع القوى الجسمانية إياها - المستلزم لتركها أفاعيلها التي منها الهضم والشهوة - والتغذية وما يتعلق بها - وإنما قايس بين الإمساك العرفاني والإمساك المرضي - ولم يقايس بينه وبين الإمساك الخوفي - لأن الخوف والعرفان نفسانيان - فالاعتراف بكون أحدهما مقتضيا للإمساك - اعتراف بتجويز كون الأحوال النفسانية سببا له - أما المرضي فمخالف لهما للسبب الذي ذكرناه - وهو وجدان المادة التي تتصرف الغاذية فيها - والشيخ بين أن العرفان باقتضاء الإمساك أولى من المرض - لأن المرض في بعض الصور يختص بأمرين - يقتضيان الاحتياج إلى الغذاء - أحدهما راجع إلى مادة البدن - وهو تحليل الرطوبات البدنية - بسبب الحرارة الغريبة المسماة بسوء المزاج - فإن الحاجة إلى الغذاء إنما تكون لسد بدل تلك الرطوبات - وكلما كان التحليل أكثر كانت الحاجة أشد - والثاني راجع إلى الصورة - وهو قصور القوى البدنية - بسبب حلول المرض المضاد لها بالبدن - وإنما يحتاج إلى حفظ الرطوبات لحفظ تلك القوى - التي لا توجد إلا مع تعادل الأركان - وتغذي الحرارة الغريزية بها - وكلما كانت القوى أفتر - كانت الحاجة إلى ما يحفظها أشد - والعرفان يختص بأمر - يقتضي أيضا عدم الاحتياج إلى الغذاء - وهو السكون البدني - الذي يقتضيه ترك القوى البدنية أفاعيلها - عند مشايعتها للنفس - فإذن العرفان باقتضاء الإمساك أولى من المرض - وقد ظهر عند ذلك جواز اختصاص العارف بالإمساك - عن الغذاء مدة لا يعيش غيره بغير غذاء تلك المدة ( 5 ) إشارة [ إلى أن في طاقة العارف فعل أو تحريك يخرج عن وسع غيره ] إذا بلغك أن عارفا أطاق بقوته فعلا - أو تحريكا أو حركة يخرج عن وسع مثله - فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار - فلقد تجد إلى سببه سبيلا في اعتبارك مذاهب الطبيعة أقول هذه خاصية أخرى للعارف - قد ادعى إمكانها في هذا الفصل - وسيجيء بيانها في فصل بعده