خواجه نصير الدين الطوسي

372

شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )

الإنسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى اجتماع - مؤد إلى صلاح حاله - وهو المراد من قولهم الإنسان مدني بالطبع - والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع - فهذه قاعدة ثم نقول واجتماع الناس على التعاون - لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة وعدل - لأن كل واحد يشتهي ما يحتاج إليه - ويغضب على من يزاحمه في ذلك - وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره - فيقع من ذلك الهرج ويختل أمر الاجتماع - أما إذا كان معاملة وعدل متفق عليهما - لم يكن كذلك - فإذن لا بد منهما والمعاملة والعدل - لا يتناولان الجزئيات الغير المحصورة - إلا إذا كانت لها قوانين كلية - وهي الشرع - فإذن لا بد من شريعة - والشريعة في اللغة مورد الشاربة - وإنما سمي المعنى المذكور بها - لاستواء الجماعة في الانتفاع منه - وهذه قاعدة ثانية - ثم نقول والشرع لا بد له من واضع - يقنن تلك القوانين - ويقررها على الوجه الذي ينبغي وهو الشارع - ثم إن الناس لو تنازعوا في وضع الشرع - لوقع الهرج المحذور منه - فإذن يجب أن يمتاز الشارع منهم - باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون في قبول الشريعة - واستحقاق الطاعة إنما يتقرر بآيات - تدل على كون تلك الشريعة من عند ربه - وتلك الآيات هي معجزاته - وهي إما قولية وإما فعلية - والخواص للقولية أطوع - والعوام للفعلية أطوع - ولا تتم الفعلية مجردة عن القولية - لأن النبوة والإعجاز - لا يحصلان من غير دعوة إلى خير - فإذن لا بد من شارع هو نبي ذو معجزة - وهذه قاعدة ثالثة - ثم إن العوام وضعفاء العقول - يستحقرون اختلال العدل النافع في أمور معاشهم - بحسب النوع عند استيلاء الشوق عليهم - إلى ما يحتاجون إليه بحسب الشخص - فيقدمون على مخالفة الشرع - وإذا كان للمطيع والعاصي ثواب وعقاب أخرويان - يحملهم الرجاء والخوف على الطاعة وترك المعصية - فالشريعة لا تنتظم بدون ذلك انتظامها به - فإذن وجب أن يكون للمحسن وللمسيء - جزاء من عند الإله القدير - على مجازاتهم الخبير بما يبدونه أو يخفونه - من أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم - ووجب أن تكون معرفة المجازي - والشارع واجبة على الممتثلين للشريعة في الشريعة - والمعرفة العامية قلما تكون يقينية - فلا تكون ثابتة - فوجب أن يكون معها سبب حافظ لها - وهو التذكار المقرون بالتكرار - والمشتمل عليهما