ابو البركات

445

الكتاب المعتبر في الحكمة

المعشوق تفرغت لنصيبها منه وتخلصت مما كان يشغلها عنه فتسعد بقربه والاشتمال عليه سعادة لا سبيل لها إلى نيلها « 1 » وهي بدنية وان لم يكن لها سبيل إلى ذلك شقيت بفقده شقاوة أكبر من البدنية فان ادراكها لما تدركه في حالها هذه أشد اكتناها ونيلا للمدرك فأذيته والذاذه لها حينئذ أشد وأكثر وصولا واللذة نيل المناسب مع شعور بنيله ومناسبته ، واستثبات ذلك الشعور واللذة بأشرف الموجودات اشرف وأتم عند الملتذ بها من النفوس الشريفة وليس نيل النفس الأشياء سوى ادراكها لها الذي هو معرفتها وعلمها بها والعقلي منها أوصل إليها من الحسى إذا أدركته بغير واسطة ولا حجاب إدراكا تاما ، فاللذة العقلية التي بالمدرك العقلي إذا كانت هكذا كانت أتم كثيرا من المدرك الحسى الذي تدركه بسفارة البدن وآلاته فالمدرك العقلي يشتمل على كثرة من المحسوسات بكونه ادراكا لكليها أو لعلتها الجامعة فان العلل الفاعلة لأشياء كثيرة لها وفيها ما في تلك الأشياء متفرقا وهو مجتمع فيها وزيادة عليه كنور الشمس الذي في جرمها بقياس المتفرق من شعاعها المنبث عنها - وإذا تأملت أكثر ما يحبه الانسان رأيته امرا فيه حكمة ونظام لأجلها صار محبوبا كمصنوعات الألحان ونظر الوجوه الحسان التي تجمع لونا وشكلا وقدرا مناسبا فيه نظام نسبة بين الأعضاء وحركاتها فتعشق النفس ذلك النظام وما هو فيه لأجله مع كونه في شئ ضعيف الوجود كالصوت المتجدد المتصرم الذي لاثبات له والصورة المستحسنة في وجوه البشر التي لا تبقى على حالة واحدة بقدر ما يرتد البصر ، فكيف إذا كان ذلك النظام في مبادى الوجود التي عنها يصدر كل نظام ونسبة في الجزئيات والمعلولات الجسمانية فسيأتي فيما يقال إن كل حسن وجمال لمعلول فهو عن علته وليس كذلك كل قبح فان الشرور والقبائح اعدام ، اما اعدام أحوال واما اعدام نسبة ونظام . فمن المستحيل ان تقصر العلة في كما لها عما لمعلولها منها بل وان يساويها معلولها فيما لها مما له منها وكيف وماله مما لها ، تأمل الأنوار المنعكسة كل ثان منها أضعف من الأول بل كل ما بعد الأول إذا جمع الثاني منه مع الثالث والرابع وما بعدها وأضيفت في الذهن لواحد معا

--> ( 1 ) صف - مثلها .