ابو البركات

442

الكتاب المعتبر في الحكمة

منها انما هي علاقتها بالبدن الذي كان موضوعا لتلك العلاقة لا للنفس التي هي علاقتها وكما ارتقى الكلام من أوائل المحسوسات حتى انتهى إلى هاهنا كذلك ينحط من الغاية العالية المقابلة لذلك المبدأ حتى ينتهى إلى هاهنا فتتفق البيانات بالعلم المستفاد من الوجود الأسفل والأعلى على ما قلنا من بقاء النفوس بعد الأبدان . واما باقي الاقسام وما قيل في الجاهلة والناقصة من بطلان افعالها التي كانت بالبدن ولا تكون لها بذاتها وما لا يفعل من الذوات الموجودة فليس بموجود ولا يعقل له وجود . فمن تأمل ما قيل إلى هاهنا يقدر على جوابه وحل اشكاله ويتحقق مع هذا ان الشئ الواحد لا يكون بذاته جوهرا وعرضا ولا ينتقل العرض جوهرا ولا الجوهر عرضا فان الجوهرية والعرضية من صفات الذوات ولوازمها وما للذات بالذات لا يزول عنها ولا يتبدل عليها وانما تتبدل الأحوال التي للذات عن غيرها بتبدل نسبتها إلى غيرها ولا تتبدل نسبة الشئ إلى ذاته فكيف تكون النفس الجاهلة عرضا تموت بموت البدن ثم يجعلها العلم الذي هو عرض أيضا جوهرا تبقى به بعد البدن . لعل هذا الكلام ذهب اليه من أراد أن يجعل للعلم شوقا وشوق العلم عند أهله لا يحوج إلى هذا وعند غير أهله لا ينفعه هذا ، وحديث الكمال الذي لا يستفاد الا من الحواس محال أيضا لأنها دراكة بذاتها والبدن من شواغلها بالجزئي عن الكلى وبالدنيء عن العلى فإذا عرفت الدنىء ونسبته إلى العلى كانت مفارقة البدن مما يفرغها لشأنها الدنىء لها مع العلى الأعلى حيث خبرت « 1 » معلولاته الأخيرة التي هي في غاية البعد عنه وارتقت إلى الأقرب فالأقرب فكمالها بمفارقتها أولى منه بمقارنتها فلم لا يتم كمالها وقد انصرفت عن غيره من اشغالها وانصرف اليه خاطرها وبالها . وحديث التردد في الأبدان والتعلق بالسماويات والأرواح كله انما قيل على

--> ( 1 ) كذا - وبهامش سع - ن - عرفت