ابو البركات

433

الكتاب المعتبر في الحكمة

مائة واحدة فلا يتلقى مثل هذا بتكذيب لامتناع الامر في نفسه إذ ليس يمتنع بنفس المفهوم وان امتنع بحجة فحتى تحضر الحجة ، والاستبعاد والندور والشذوذ ليس بحجة وكذلك في قوة الابصار والسمع وباقي الافعال الفكرية والذكرية وزيادتها إلى حدود تستبعد ويتعجب منها من لم ير مثلها ولا ما يقاربها . وعلائق النفوس بالأبدان قد تكون على ما قيل غالبة قاهرة للنفس مغرقة « 1 » لها في شغل البدن وما يتبعه حتى تضعف ارادتها ورويتها وتتبع ارادتها طباعها وقد تكون العلاقة ضعيفة لا تتملك من النفس الا القليل من وسعها حتى تستولى الإرادة والروية على الطباع في مثلها فإذا كانت قوة الأولى ضعيفة ضيقة الوسع مع غرقها في علاقتها صار الانسان الذي هي نفسه كالبهيمة في عدم الروية وضعفها وإذا كانت الثانية قوية واسعة كان الانسان الذي هي نفسه كالملك في قوته وقدرته بحسب ارادته ومقتضى رويته كما نرى من الناس من رويته وأفكاره وان قويت منصرفة إلى أحوال بدنه ودواعيه لا تنفذ الا فيها ولا تنجذب الا إليها ومتى جذبت إلى امر عقلي وتفكر نظري نبت عنه وانثنت بأيسر دواعيها فلا تستبعدن من هذا القياس أن تكون من النفوس نفس تملك رويتها وطباعها وتتحكم عليه حتى تنثنى بمشيئتها إلى رويتها وتتوجه بوسعها إلى ارادتها وتصرف طباعها فيما تشاء بالرؤية فتفعل في أجسام أخرى فعلا يقارب فعلها في البدن المخصوص بها صلاحا أو فسادا كما تفعل إصابة العين في أجسام أخرى من شق أراضي وتفجير عيون وهدم جبال وأسوار مما تحكى أمثالها ، ألا ترى ان من النفوس ما له بفطرته من الحكمة الغريزية ما تصدق به احكامه وتخلص انظاره وتهتدى إلى ما لا نسبة له إلى ما علمه معلمه وكيف تنفذ في ذلك بغير كلفة ولا مهل بل تهتدى بقدر ما تنظر فلا تضل ولا تتحير . والمرأة العمياء التي رأيناها في بغداد وتكررت مشاهد تنالها مذمدة مديدة قدرها ما يقارب ثلثين سنة وهي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا فتدل عليها بأنواعها واشكالها ومقاديرها واعدادها غريبها ومألوفها دقيقها وجليلها تجيب

--> ( 1 ) سع - مفرقة