ابو البركات
431
الكتاب المعتبر في الحكمة
والاخلاق فالمطبوع على حب الشئ وبغضه أشد التذاذا وأذية به وأعسر انتقالا عن المحبة له من نفس يصير لها ذلك بالعادة والاخلاق المكتسبة فان الطباع لا تنتقل . فقد بان ان لكل نفس خيرا سعادتها في نيله وشقاوتها في حرمانه خصوصا إذا عرفته وأخص من ذلك إذا أحبته بل إذا اشتاقت اليه بل إذا عشقته فكيف إذا تتيّمت به حتى تجد ذاتها بوجوده وتعدمها بعدمه . وتبين كذلك ان لها شرا سعادتها في الخلاص منه وشقاوتها في مقاساته والبلوى به فالنفس الأسعد هي التي خيرها اشرف وهو إليها أحب ومع ذلك أوصل وعليها أبقى وأدوم ولها من الشوب بالبغيض المؤذى اخلص . والنفس الاشقى هي التي ذلك خيرها وتلك به معرفتها وهي عنه مصروفة واليه غير واصلة وبالوله عليه معذبة فكيف ان كانت بمقاساة مقابله من الخسيس المؤذى مبتلاة وأن النفوس الأخس خيرها اخس إذا نالته ووصلت اليه وهي اصلح منها حالا لو فقدته فان شرف المفقود مع المعرفة بموقعه أشد رزيئة من تفقد خسيس أو شريف لا يعرف موضعه فكل مفارقة معشوق ومقاساة ممقوت عذاب مؤلم وكلما كان العشق والمقت أشد تمكنا كان الفقد والمقاساة أشد إيلاما وكلما كان العاشق إلى معشوقه أوصل كان الحظ الذي له به من السعادة أو فر . الفصل الثامن والعشرون في خواص النفوس الشريفة من النفوس الانسانية ونوادر أحوالها ولما كانت النفوس الانسانية مختلفة في جواهرها وخواصها الذاتية وفي ملكاتها وأحوالها الاكتسابية والعرضية فمنها الشريفة والخسيسة والقوية والضعيفة والخيّرة والشرّيرة والحكيمة والجاهلة ودرجاتها في ذلك متفاوتة وكمالاتها لذلك مختلفة متفاوتة ، فمنها ما تفي قوتها ووسعها وقدرتها بما تعلقت به من البدن وحراسته وتدبيره وتسع بعد ذلك وتقدر على ما يزيد عليه فيما عداه من ادراك حسى وعقلي يزدحم معا في الزمان مثل القدرة على تأمل مبصر مع اصغاء إلى