ابو البركات
41
الكتاب المعتبر في الحكمة
من بعد ثم عن قرب وقرب أقرب ومحصول المعارف الأول يشترك « 1 » فيه الأكثر من الناس وبحسبه وضعت اللغات وهو الذي تداوله العرف بين الناس وكذلك العلوم في الظن واليقين والشك والتحقيق وكل مسمى في اللغة المتداولة العامية له مفهوم ظاهر يعرفه المسمون والمخاطبون بتلك اللغة والحكماء يبتدئ نظرهم من ذلك المشهور العامي وينتهى إلى المعلوم الخاصي والمكان من تلك الجملة فان الاسم المتداول له « 2 » له مفهوم عند الجمهور اشهر من أن يخفى واعرف من أن يعرف وهو الموضع الذي يقل الشئ الذي يقال له متمكن حتى لو وضع مسطح كالدرقة على رأس قبة سعته كالدرهم لقيل ان رأس تلك القبة مكان لتلك الدرقة وان لم يلق منها الا قدر ما يساويه من وسطها الا انه هو الذي يقلها وأقصى ذلك ان يكون بقدر سعتها من الأرض الحاملة لثقلها لا من الفضاء الذي يتمم الإحاطة بها وكذلك يقال إن مكان الانسان هو الموضع من الأرض الذي يجلس فيه أو يقف أو يضطجع عليه ولا يلتفت إلى ما يتم به احاطته من الهواء واما الجدار الذي عساه يستند اليه فإنه قد يدخل في جملة مكانه من حيث إنه قد يتكئ عليه فيقله أيضا واما الفضاء والهواء الذي لا يقله فلا يقال إنه مكانه ولا جزء مكانه فهذا مفهوم المكان في العرف العامي ويقال إن الدن مكان للشراب كما يقال إن البركة مكان الماء من حيث يعتمد عليها ويستقل بها . وظن الجمهور من ذلك أنه كما أن الأرض مكان للناس وغيرهم مما يستقل عليها فكذلك الأرض أيضا مكان تستقل عليه ولولاه لهبطت ثم إنهم لما رأوا الماء يقل السفن وغيرها قالوا إن الأرض على الماء مثل ما نحن على الأرض لولاه لهبطت هاوية وقال قوم بل هي محمولة على حيوان يستقل في الماء لما رأوا الحيوانات تستقل على سطح الماء كالأزقاق المنفوخة ثم اكتفوا بهذا الحد من النظر ولم يمعنوا فيقولوا وهذا الماء على ما ذا يعتمد وبما ذا يستقل ويتماسك عن الهبوط والهوى فلما نظر قوم علت درجتهم عن هؤلاء قالوا بل الماء الذي تحت الأرض لا نهاية له من جهة العمق وسموه باسم من حيث لا يتناهى ولم يقولوا مثل ذلك عن الأرض
--> ( 1 ) سع - يستدل . ( 2 ) كذا