ابو البركات
418
الكتاب المعتبر في الحكمة
وسيرهم وعاداتهم وقد يكون بما يخص الرأي من ذلك وقد يكون منه ما ينبه على حاضر من الموجودات اللازمة للرأي كحال بدنه ومزاجه في صحته ومرضه وكمن يدل على كنز مدفون وسحر معمول وكمين عدو وما أشبهها وقد يكون منه ما يذكر بأحوال ماضية تسنح في الخيال كما تسنح في اليقظة لتمكن آثارها وصورها المستقرة في الحفظ عنها وهذا في المنام كما في اليقظة لكل انسان وانما الذي يخالف من ذلك هو الذي ينبه على الخفي المستور وينذر بالكائن الآتي والحكمة تقتضى النظر في ذلك ومعرفة ماهيته وكيفيته وكميته حتى يعرفه طالب العلم ويحيط علما بأسبابه وهذا موضعه لأنه من جملة علم النفس وافعالها التي لا تستعمل فيها آلات الحواس الظاهرة . فنقول اما ماهيته فهي ادراك صور ذهنية تلحظها النفس في وقت النوم وتعطل الحواس الظاهرة عن افعالها وتصرفات النفس بها والذي ينذر منها بما سيكون أو ينبه على خفى مستور مما هو كائن موجود أو كلاهما يخص باسم الرؤيا وما لا يدل على ذلك بل يكون من تردد الخواطر وسوانح الذكر كما يكون في اليقظة يخص باسم الأضغاث إشارة إلى العبث « 1 » وما لا يعرف له سبب وعلى أن من المجربين المتتبعين لذلك من قال إنها كلها من الرؤيا ولكن منها ما يكون صريحا بغير تأويل ومنها ما يقرب تأويله حتى يعرفه أكثر الناس ومنها ما يبعد تأويله ( فلا يعرفه الا العلماء ومنها ما يبعد جدا حتى لا يعرف - « 2 » ) وهو الذي يسمونه بالاضغاث . فأما كيفية ذلك فان الصريح منه هو الذي تراه النفس بعينه فيتمكن من الذهن ويثبت في الحفظ فيتذكره الانسان في يقظته لاستقراره في حفظه وغير الصريح فقد قيل فيه على طريق الحدس ومن قبيل الأشبه والأولى ان النفس ترى الصريح فلا يثبت ولا يتمكن والنفس تتذكر الشبيه بشبيهه وعلى اثره والضد بضده والنظير بنظيره والرفيق برفيقه فتنتقل من الشئ إلى ما يليه من هذه ومن ذلك الثاني إلى ثالث يليه فيما قبل وكذلك على الاتصال فالذي ينبه الانسان
--> ( 1 ) سع - الغيب ( 2 ) سقط من سع .